تفسير الجيلاني
وبعدما بالغ نوح عليه السلام في دعوتهم وإرشادهم فلم يهتدوا، بل ما زادوا إلا إصرارا وإضرارا، وعنادا واستكبارا { قال } نوح مناجيا إلى ربه على وجه التضرع بعدما بالغوا في الإنكار والاستكبار: { رب } يا من رباني على الرشد والهداية { إني دعوت قومي } بمقتضى وحيك وإلهامك علي { ليلا ونهارا } [نوح: 5] أي: دائما بلا مطل وتسويف.
{ فلم يزدهم دعآئي } ودعوتي إياهم { إلا فرارا } [نوح: 6] عن الإيمان والإطاعة وإصرارا على الكفكر والطغيان.
{ وإني } صرت زمانا { كلما دعوتهم } على قصد أن يقبلوا دعوتي { لتغفر لهم } بمقتضى عفوك ورحمتك ذنوبهم وزلتهم { جعلوا أصابعهم } وقت دعوتي إياهم { في آذانهم } أي: سدوا مسامعهم عن استماع الدعوة { و } مع ذلك لا يقتصر عليه، بل { استغشوا } أي: غطوا ولفوا على رءوسهم { ثيابهم } لئلا يروا صورتي، ولا يسمعوا قولي من شدة كراهتهم عن دعوتي، وشكيمتهم معي { و } بالجملة: { أصروا } على ما هم عليه كانوا { واستكبروا } علي { استكبارا } [نوح: 7] عظيما إلى حيث شتموني شتما قبيحا، وضربوني ضربا مؤلما فجيعا.
{ ثم } بعدما جرى منهم ما جرى { إني دعوتهم } بمقتضى أمرك وحكمك إياي يا رب { جهارا } [نوح: 8] على رءوس الملأ.
{ ثم إني أعلنت لهم } وصرحت بدعوتهم { وأسررت لهم } أيضا في الخلوات { إسرارا } [نوح: 9] على سبيل الكناية والإشارة، وبالجملة: دعوتهم مرة بعد مرة، وكرة بعد كرة في المحافظ والخلوات، وبالصرائح والكنايات.
{ فقلت } لهم في دعوتي إياهم: { استغفروا ربكم } وتوبوا إليه { إنه كان غفارا } [نوح: 10] يغفر لكم ذنبوكم، ويعفو عنكم زلاتكم.
وبعدما بالغوا في الإنكار والإصرار حبس الله عليهم القطر أربعين سنة، وأعقم أرحام نسائهم، فقال نوح: { استغفروا ربكم إنه كان غفارا } [نوح: 10].
[71.11-20]
{ يرسل السمآء عليكم مدرارا } [نوح: 11] بعدما حبسها زمانا.
{ ويمددكم بأموال وبنين } بعدما منعها عنكم بكفركم وشرككم، وبعد استغفاركم أنزل عليكم مدرارا { و } بعد أنزال المدرار { يجعل لكم جنات } بساتين منتزهات { ويجعل لكم } في خلالها { أنهارا } [نوح: 12] جاريات.
صفحة غير معروفة