تفسير الجيلاني
ومأواهم من شدة أهوال جهنم وأفزاعها: إنهم { إذآ ألقوا فيها } أي: قصدهم الزبانية؛ لإلقائهم بالعنف والزجر المفرط { سمعوا لها } أي: لجهنم { شهيقا } صوتا هائلا مهولا، كصور الحمار { و } الحال أنه { هي } أي: جهنم حينئذ { تفور } [الملك: 7] وتغ لي غليان المرحل غيظا وغضبا لأعداء الله.
[67.8-15]
ومن شدة غضبها وسخطها { تكاد } وتقرب { تميز } وتفترق أجزاؤها { من الغيظ } المفرط { كلما ألقي فيها فوج } أي: جماعة وفرقة من المتفقين المجتمعين على ديدنة قبيحة، وخصلة خارجة عن مقتضى الحدود الإلهية { سألهم خزنتهآ } سؤال توبيخ وتقريع: { ألم يأتكم نذير } [الملك: 8] يخفوكم من هذا العذاب الهائل، مع أن سنة الله جرت على ألا يدخل عباده فيها إلا بعد الإنذار والتخويف.
{ قالوا } حينئذ متسحرين: { بلى قد جآءنا نذير } فأنذرنا عنها على أبلغ الوجوه { فكذبنا } النذير، وأفرطنا في تكذيبه إلى حيث نفينا الإنزال والإرسال مطلقا، بل كفرنا بالحق وبحميع ما جاء به النبي النذير من عنده، ونسبنا دعواه إلى السفه والضلال { و } بالجملة: { قلنا } له حين دعوته وادعائه نزول الكتاب: { ما نزل الله من شيء إن أنتم } أي: ما أنتم أيها المدعون للرسالة { إلا في ضلال كبير } [الملك: 9] عظيم لا ضلال أعظم من ضلالكم.
{ و } بعدما حكوا أولئك الضالون ما حكوا { قالوا } من غاية أسفهم وحسرتهم على سبيل التمني: { أو نعقل } كلام الرسل المؤيدين بالمعجزات الظاهر { لو كنا نسمع } نتأمل ونتفكر في حججهم الساطعة، ودلائلهم القاطعة { ما كنا } الآن { في أصحاب السعير } [الملك: 10] أي: في عدادهم ومن جملتهم.
وبالجملة: { فاعترفوا بذنبهم } وندموا، وما ينفعهم الاعتراف والندم؛ لمضي وقته، بل { فسحقا } طردا وتبعيدا عن ساحة عز القبول، وعن سعة رحمة الحق، وكنف لطفه ومغفرته { لأصحاب السعير } [الملك: 11] أي: لمطلق من دخل بشؤم كفره وإنكاره فيها.
ثم أردف سبحانه حال الكفرة بحال المؤمنين تنشيطا للسامع، وحثا له على التثبت في الإيمان فقال: { إن } المؤمنين { الذين يخشون } ويخافون { ربهم } أي: عذابه { بالغيب } أي: حال كونهم في النشأة الأولى غائبين عنه، غير معاينين له { لهم } عند ربهم { مغفرة } ستر ومحو لذنوبهم الصادرة عنهم بمقتضى بشريتهم جزاء إيمانهم بالله، وخشيتهم عن عذابه { وأجر كبير } [الملك: 12] يصغر دونه الدنيا وما فيها تفضلا عليهم وامتنانا، ألا وهو رضاء الله منهم
ورضوان من الله أكبر
[التوبة: 72] من الآخرة وما فيها، فكيف عن الدنيا؟!
ثم لما قال بعض المشركين لبعضهم على سبيل التهكم: أسروا قلوكم؛ كي لا يسمعه رب محمد، نزل: { وأسروا قولكم } أيها المشركون { أو اجهروا به } وهما سيان بالنسبة إلى علمه المحيط، وكيف لا { إنه } سبحانه { عليم بذات الصدور } [الملك: 13] أي: بما في الضمائر قبل أن يعتبر به أو يقصد بتعبيره، بل هو عليم بما في استعداداتكم وقابلياتكم المكنونة في عالم الأسماء والصفات قبل ظهوركم في عالم الأشباح؟!
صفحة غير معروفة