810

وبالجملة: { فإذا بلغن } أي: المطلقات { أجلهن } أي: شارفن على انقضاء عدتهن { فأمسكوهن } وراجعوا إليهن { بمعروف } مستحسن عقلا وشرعا ومروءة، نادمين على ما صدر عنكم من الطلاق، محسنين إليهن، معطين لهن من الأمتعة جبرا لما كسرتم { أو فارقوهن } بعدما لم يبق بينكم وبينهن رابطة المحبة، وعلاقة الألفة { بمعروف } مستحسن مرضي لدى الشارع، مقبول عند عموم أرباب المروءات، بلا شرر ولا ضرار، وبلا أخذ شيء مما يتعلق بهن من الأمتعة المنسوبة إليهن عرفا، بل أعطوهن شيئا آخر معتدا به؛ ليعترفن بثنائكم وشكركم، ويدعون لكم بدل ما يدعون عليكم.

{ وأشهدوا } أيها المؤمنون عند اختيار الرجعة والفرقة { ذوى عدل منكم } قطعا لعرق الخصومة والنزاع، وبعدا عن التهمة { وأقيموا } أيها الشهود { الشهادة } الموكولة لكم { لله } طلبا لمرضاته سبحانه، وحافظوا عليها؛ كي تؤدوها لدى الحاجة { ذلكم } الذي سمعتم من محافظة الحدود، وإقامة الشهود؛ لحفظ الحقوق والعهود من جملة المواعظ والتذكيرات التي وضعها الحق بمقتضى حكمته بين عباده؛ ليحافظوابها آداب العبودية.

إنما { يوعظ } ويتذكر { به من كان يؤمن بالله } ويوقن بوحدة ذاته، ويصدق برسله المبعوثين من عنده، المؤيدين من لدنه { واليوم الآخر } المعد؛ لتنقيد الأعمال، وترتب الجزاء عليها، فإن غير هؤلاء السعداء الأمناء التائهون في تيه الضلال بأناع الوزر والوبال، لا تتعظون بها وبأمثالها { و } بالجملة: { من يتق الله } ويتحفظ نفسه عن قهره وغضبه، ويحافظ على رعاية حدوده الموضوعة من لدنه؛ لحفظ حقوق عباده، سيما حقوق الزوجية والائتلاف من كلا الطرفين، ويتوكل عليه في عموم أحواله، ويفوض أموره كلها إليه { يجعل له } سبحانه { مخرجا } [الطلاق: 2] عن مضيق الإمكان المورث لأنواع الخذلان والخسران.

{ ويرزقه } ويسوق إليه جميع حوائجه المحتاجة إليه في معاش عياله { من حيث لا يحتسب } أي: من مكان لا يترقبه، ولا ينتظره { و } كيف لا { من يتوكل على الله } مخلصا له، مفوضا أمره إليه { فهو حسبه } وكافيه، يكفيه جميع المؤنة المحتاجة إليه في النشأة الأولى والأخرى؟! وكيف لا { إن الله } القادر المقتدر على عموم المقادير { بالغ أمره } بعدما فوض إليه سبحانه بالإخلاص والتسليم إلى حد قدر الله له في حضرة علمه، ولوح قضائه؛ إذ { قد جعل الله } القدير الحكيم { لكل شيء } من الأشياء الظاهرة حسب أظلال الأسماء والصفات الإليهة { قدرا } [الطلاق: 3] أي: مقدارا معينا من الكمال في عموم أفعاله وأحواله على مقتضى الاستعدادات الفطرية، والقابلية الجبلية؟!

[65.4-7]

هذه المذكورات من الحدود والآداب في طلاق ذوات الأقراء من المعتدات { واللائي يئسن } وقنطن { من المحيض من نسآئكم } لكبرهن { إن ارتبتم } أي: جهلتم وشككتم في تعيين عدتهن { فعدتهن } بعدما طلقتموهن { ثلاثة أشهر } أي: مضيها.

روي أنه لما نزلت:

والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء

[البقرة: 228] قيل: فما عدة النساء اللاتي يئسن؟ فنزلت: { و } كذا أيضا مضي ثلاثة أشهر عدة النساء { اللائي لم يحضن } بعد؛ لصغر سنهن أو مرض { وأولات الأحمال } من المطلقات { أجلهن } ومنتهى عدتهن: { أن يضعن حملهن } سواء كان الوضع بعد الفرقة بزمان كثير أو قليل.

وهذا الحكم متناول للمطلقة، والمتوفي عنها زوجها، وإنما لم يعين لأولات الأحمال حد معين من أقراء وشهود؛ لأن المقصود الأصلي من إلزام العدة: حفظ الماء، استبراء الرحم؛ لئلا ينجر إلى خلط النسب، وبالوضع يحصل المقصود على الوجه الأتم؛ ولهذا لم يحد لهن سوى الوضع { ومن يتق الله } ويحفظ نفسه من سخطه، وطلق امرأته على الوجه المسنون، ولم يركن إلى الطلاق البدعي أصلا { يجعل له } سبحانه { من أمره } الذي هو فراق زوجته { يسرا } [الطلاق: 4] يسهل إليه التزويج الآخر، ويحسنها له، ويحبلها له.

صفحة غير معروفة