تفسير الجيلاني
{ يعلم } بعلمه الحضوري جميع { ما في السموت } أي: عالم الأسماء والصفات من الكمالات اللائقة للظهور والبروز { و } ما في { الأرض } أي: موم ما في استعدادات قوابل الطبائع والأركان من الماديات والمجريات { ويعلم ما تسرون } أيها المكلفون { وما تعلنون و } بالجملة: { الله } المحيط بالكل بمقتضى تجلية وظهوره عليه { عليم بذات الصدور } [التغابن : 4] إذ لا يخفى عليه خافية، ولا يعزب عن حيطة عمله ذرة.
ثم قال سبحانه توبيخا على من خرج عن ربقة عبوديته: { ألم يأتكم } أيها المكلفون المنكرون بظهور الحق وثوبته، وتحققه في الأنفس والآفاق بالاستقلال والاستحقاق { نبأ الذين كفروا من قبل } كقوم نوح وهود وصالح - عليهم السلام - { فذاقوا وبال أمرهم } أي: كيف ذاقوا ضرر كفرهم وشركهم من العذاب النازل عليهم في النشأة الأولى بعدما أصروا على ما هم عليه، ولم يهتدوا بإرشاد الأنبياء والرسل { ولهم } في النشأة الأخرى { عذاب أليم } [التغابن: 5] لا عذاب أشد من ذلك، وهو حرمانهم عن ساحة عز القبول الإلهي.
[64.6-9]
{ ذلك } الويل والوبال عليهم في النشأة الأولى والأخرى { بأنه } أي: بسبب أن النشأة الأولى والأمر فيما بينهم هكذا { كانت تأتيهم رسلهم } من عند الله مؤيدين { بالبينات } الواضحات، والمعجزات الباهرات { فقالوا } بعدما عجزوا عن معارضة معجزاتهم الساطعة، وحججهم القاطعة على سبيل التعدب والإنكار: { أبشر } مثلنا { يهدوننا }؟! كلا وحاشا أن يكون البشر هادين للبشر، وبالجملة: { فكفروا } بالرسل والمرسل، والمرسل به جميعا { وتولوا } عن التدبر والتفكر في الحجج والبينات { واستغنى الله } عن كل شيء فضلا عن هدايتهم وطاعتهم { والله } المتعزز برداء العظمة والكبرياء { غني } في ذاته طلق مظاهره ومصنوعاتهخ، فكيف عن إيمانهم وعبادتهم؟! { حميد } [التغابن: 6] حسب أوصافه وأسمائه، مستغن عن حمد الحامدين.
ومن كمال جهلهم بالله، وإصرارهم على إنكار قدرة الله على عموم المقدورات: { زعم } بل ادعى العلم المسرفون المعاندون { الذين كفروا } بالله، وأنكروا قدرته على البعث والنشور { أن لن يبعثوا } من قبورهم، ولن يحشروا إلى المحشر؛ للحساب والجزاء، وأصروا على هذا الزعم الفاسد، والجهل الظاهر، واعتقدوه حقا، وخيلوه صدقا مكابرة وعنادا.
{ قل } لهم يا أكمل الرسل بعدما بالغوا في إنكار البعث: { بلى } تبعثون أيها المنكرون الجاحدون { و } حق { ربي } الذي رباني قابلا لوحيه وإلهامه، ومهبطا لعموم أحكامه المنزلة من عنده { لتبعثن } ألبتة { ثم } بعد البعث والحشر { لتنبؤن بما عملتم } أي: جميع ما اقترفتم في النشأة الأولى، ولتحاسبن عليها، وتجازن بمقتضاه، بحيث لا يشذ شيء منها { وذلك } التفصيل والإحصاء { على الله } العليم البصير { يسير } [التغابن: 7] وإن كان عندكم مشكل عسير.
وبعدما سمعتم من كمال قدرة الله، وإحاطة علمه وخبرته { فآمنوا بالله ورسوله } المستخلف منه { والنور الذي أنزلنا } معه تأييدا له، وتبينا لدينه؛ يعني: القرآن الفارق بين الحق والباطل { والله } المطلع على ما في استعداداتكم { بما تعملون } بمقتى القرآن، وتمتثلون بأوامره ونواهيه، وبما تذبون عنه وتعرضون منكرين لما فيه من الأوامر والنواهي، والعبر والأحكام، والمعارف والحقائق، والرموز والإشارات { خبير } [التغابن: 8] يجازيكم على مقتضى خبرته.
اذكروا أيها المكلفون { يوم يجمعكم } الله { ليوم الجمع } والحشر؛ لأجل الحساب والجزاء؛ إذ يجتمع فيه الملائكة والثقلان { ذلك } اليوم { يوم التغابن } أي: يوم ظهور التغابن والغرور الواقع في نشأة الاختبار الابتلاء { و } بالجملة: { من يؤمن بالله } ويقر بوحدانيته سبحانه { ويعمل } عملا { صالحا } ليزيد به الإيمان؛ حتى يصير علمه عيانا، وعيانه حقا وبيانا { يكفر عنه سيئاته } ويمحوها عن صحيفة أعماله { ويدخله } بمقتضى فضله ولطفه { جنات } منتزهات العلم والعين والحق { تجري من تحتها الأنهار } المملوءة بمياه المعارف والحقائق المترشحة عن بحر الحياة الأزلي الأبدي، لا يتحولون من التلذذ بها والتحقق دونها، بل يصيرون { خالدين فيهآ أبدا ذلك } التفكير والإدخال لأرباب العناية والإفضال { الفوز العظيم } [التغابن: 9] واللطف الجسيم، وبالجملة: لا فوز أعظم منه وأكمل.
[64.10-13]
ثم قال سبحانه على مقتضى سنته المستمرة تعقيب الوعد بالوعيد: { والذين كفروا وكذبوا بآيتنآ } الدالة على وحدة ذاتنا، وكمالات أسمائنا وصفاتنا { أولئك } الأشقياء المردودون { أصحب النار } وملازموها { خلدين فيها } لا نجاة لهم منها { وبئس المصير } [التغابن: 10] مصير أهل النار، أعاذنا الله وعموم عباده منها.
صفحة غير معروفة