تفسير الجيلاني
مع أنه لما { خلق الإنسان } [الرحمن: 3] سبحانه؛ لأجل هذا الشأن البديع البرهان، ولهذه الحكمة والمصلحة أيضا بعينه.
{ علمه البيان } [الرحمن: 4] أي: التنطق والتكلم بلغات شتى، وعبارات لا تحصى؛ ليستفيد من منطوقات الألفاظ ما هو معناه، ويتفطن منها إلى ما هو مغزاها ومرماها، وغاية قصواها، ألا وهي المعارف والحقائق، والحكم والأسرار الإلهية المودعة المكنونة في مطاوي حروف المصاحف، والكلمات الحاصلة من مقاطع الأصوات المتكونة من لوازم الحياة الحقيقية المترتبة على النفسات الرحمانية، والنفثات اللاهوتية الثابتة للوجود المطق حسب تجليات الذات الإلهية، وعلى مقتضى الأسماء والصفات الذاتية الكامنة فيها، المتجلية عليها بمقتضى الشئون والكمالات الغير المتكررة إلى ما يتناهى أزلا وأبدا؛ ليظهر للإنسان سر الظهور والبطون، والغيب والشهادة الواردة على الوحدة الذاتية الإلهية.
ولهذه المصلحة أيضا ظهر في العلويات { الشمس والقمر بحسبان } [الرحمن: 5] أي: يجريان ويدوران بحساب مقدر من عنده سبحانه، معلوم في حضرة علمه؛ ليكونا دليلين شاهدين على ظهور مرتبتي النبوة والولاية المقتبسة من مشكاة النبوة، المتفرغة على العدالة الذاتية الإلهية.
{ و } أيضا أظهر في السفليات لتلك المصلحة العلية { النجم } أي: النبات الذي لا ساق له { والشجر } وهو الذي له ساق { يسجدان } [الرحمن: 6] يخضعان ويتذللان له سبحانه دائما من كمال الإطاعة والانقياد.
{ و } بالجملة: { السمآء } أي: عالم الأسباب والأقدار { رفعها } في أعلى المكان والمكانة { ووضع } فيها { الميزان } [الرحمن: 7] المعتدل المبنئ عن القسطاس المستقيم الإلهي الواقع بين الأسماء والصفات الذاتية، وعين المقادير والآجال المقدرة لجربها، ورتبها على دورها وانقلاباتها الواقعة فيها على وفق الحكمة المترتبة على العدالة الإلهية.
وإنما رتبها على متقضى الحكمة والعدالة { ألا تطغوا } أي: لئلا تعتدوا وتتجاوزوا أيها المجبولون لمصلحة التكليف والعرفان، على مقتضى الوحي الإلهي المترتب على الحكمة البالغة المتقنة في الأرض { في الميزان } [الرحمن: 8] الموضوع بمقتضاها، ألا وهي الشرع الشريف.
{ و } بعدما سمعتم حال العلويات والسلفليات، وما فيهما من الموازين المعتدلة الموضوعة بالوضع الإلهي { أقيموا } أيها المكلفون فيما بينكم { الوزن } واعتدلوه { بالقسط } والإنصاف { ولا تخسروا } ولا تنقصوا { الميزان } [الرحمن: 9] إذ هو موضع على العدل السوي.
{ و } اعلموا أن { الأرض } إنما { وضعها } ومهدها سبحانه { للأنام } [الرحمن: 10] ليعتدلوا عليها، ويستقيموا عموم أخلاقهم وأطوارهم فيها، حتى يستعدوا لأن يفيض عليهم طلائع سلطان الكشف والشهود، فيفوزوا بمقر التوحيد، ويتمكنوا في مقعد الصدق والتفريد.
لذلك أعد لهم سبحانه تفضلا عليهم وتكريما: { فيها فاكهة } كثيرة يتفكهون بها، من أنواع الفواكه تقويما لأمزجتهم، وتقوية لها { و } لا سيما { النخل } التي هي { ذات الأكمام } [الرحمن: 11] والأوعية المشتملة على التفكه والتقوت لسائر الأغراض الحاصلة منها.
{ والحب ذو العصف } " والحب " أي: وكذا اعد لهم فيها جنس الحبوب التي يتقوت بها نوع الإنسان منها " ذو العصف ": ذا العصف؛ أي: التين والقشور؛ إذ هو محفوظ فيها، مربي معها إلى أن يستوي وينضج، فيتقوت بحبه الإنسان، وبعصفه المواضي { و } كذا ظهر لهم فيها بمقتضى جوده { الريحان } [الرحمن: 12] أي: جنس الرياحين المشمومة المقوية لدماغ الإنسان، المصفية له عن الروائح الخبيثة، والنفحات الكريهة.
صفحة غير معروفة