تفسير الجيلاني
{ و } من نهاية جهلهم وركاكة رأيهم { جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن } المستغرقون الوالهون بمطالعة وجهه الكريم، المستغفرون لعموم عباد الله من سعة رحمته وجوده { إناثا } ناقصات العقل والدين، منحطات عن زمرة الكاملين مع أنهم - أي: الملائكة - من أعزة عباد الله وأجلهم متمكنون عند كنف قربه وجواده، مسبحون له في عموم الأوقات والحالات { أشهدوا } وحضروا أولئك الحمقى { خلقهم } أي: خلق الله إياهم في بدء الأمر؛ إذ الأنوثة والذكورة من جملة الأمور التي لا اطعلا لأحد عليها إلا بالمشاهدة، أم شهدوا رجما بالغيب، ظلما وزورا { ستكتب } في النشأة الأولى { شهادتهم } التي شهدوا بها على خلص عباد الله، وافتراؤهم على الله الصمد المنزله من الاستيلاد { و } بالجملة: { يسألون } [الزخرف: 19] يوم القيامة عن جميع ما أتوا من المعاصي، سيما عن هذه الشهادة والافتراء، ثم يجازون بمقتضاها.
{ و } بعدما سفه المسلمون أهل الشرك وعيروهم باتخاذ الملائكة والأوثان والأصنام، وجميع المعبودات الباطلة آلهة من دونه الله، شركاء له في الألوهية، مع كونهم منحطين عن رتبة الألوهية والربوبية مطلقا { قالوا } مستدلين على أخذهم واتخاذهم: { لو شآء } وأراد { الرحمن } عدم أخذنا وعبادتنا إياهم { ما عبدناهم } ألبتة، لكن أراد سبحانه عبادتنا فعبدناهم؛ إذ لا يبدل قوله سبحانه ولا يغير حكمه ومشيئته، إنما قالوا ما قالوا تهكما واستهزاء، وعلى زعم المؤمنين، لا عن اعتقاد ويقين بمشيئة الله وتقديره، وعدم تغيير مراده سبحانه؛ لذلك جعلهم سبحانه بقوله: { ما لهم بذلك من علم } أي: ما صدر عنهم هذا الاستدلال عن علم بمقدماته واعتقاد بنتيجته، بل { إن هم } أي: ما هم في قولهم هذا واستدلالهم { إلا يخرصون } [الزخرف: 20] يتمحلون تمحلا باطلا، ويتزورون زورا ظاهرا.
[43.21-25]
أهم يدعون دليلا عقليا سواه على مدعاهم { أم } يدعون دليلا نقليا بأن { آتيناهم كتابا من قبله } أي: من قبل القرآن، مشتملا على اتخاذهم وادعائهم المذكور؟! { فهم به مستمسكون } [الزخرف: 21] متمسكون به في دعواهم هذه.
{ بل } ليس لهم لا هذا ولا ذاك سوى أنهم { قالوا } على وجه التقليد: { إنا وجدنآ ءابآءنا على أمة } طريقة معينة { وإنا على ءاثارهم مهتدون } [الزخرف: 22] إلى ما اهتدوا تقليدا لهم واقتفاء بأثرهم.
{ وكذلك } أي: ومثل ما قال هؤلاء التائهون في تيه التقليد والضلال { مآ أرسلنا من قبلك } يا أكمل الرسل { في قرية } من القرى الهالكة { من نذير } من النذر الأولى { إلا قال مترفوهآ } ومتنعموهها على سبيل البطر والمفاخرة: { إنا وجدنآ ءابآءنا على أمة } أي: طريقة معهودة معينة { وإنا على ءاثارهم مقتدون } [الزخرف: 23] لا نترك ديدنة آبائنا، بما اخترعتموه من تلقاء أنفسكم أيها المدعون.
{ قل } - المفسر بقراءة قال على قراءة الجميع غير حفص وابن عامر - يا أكمل الرسل بعدما سمعت منهم ما سمعت كلاما خاليا عن وصمة المراء والمجادلة، عاريا عن أمارات التقليد والتخمين: { أولو جئتكم } يعني: أتقلدن، وتتبعون آباءكم أيها المقلدون المسرفون، ولو جئتكم { بأهدى } أي: بدين أهدى، وأنفع لكم ي أولاكم وأخراكم { مما وجدتم عليه آبآءكم } أي: من أديان آبائكم وتقليداتهم، فتتركون الهداية وتتبعون الضلال.
وبعدما سمع من هؤلاء المقلدون والمسرفون ما سمع أسلافهم من النذر الأولى من الهداية والرشاد { قالوا } مصرين على ما هم عليه: { إنا بمآ أرسلتم به } أي: بجميع ما جئتم به أيها المدعون للرسالة { كافرون } [الزخرف: 24] منكرون جاحدون، لا نقل من أمثال هذا، ولا نترك دين آبائنا ومتابعتهم بمجرد ما ابتدعتموه مراء، ونسبتموه إلى الله افتراء.
وبعدما أصروا على ضلالهم، وتقليداتهم الموروثة له من آبائهم، لم ينفعهم إرشاد الرسل وإهداؤهم { فانتقمنا منهم } فأخذناهم صاغرين { فانظر } أيها المعتبر الناظر { كيف كان عاقبة المكذبين } [الزخرف: 25] المصرين على التكذيب والعناد مع رسل الله، وذوي الخطر من خلص عباده.
[43.26-32]
صفحة غير معروفة