692

{ و } حق { الكتاب المبين } [الزخرف: 2] العظيم الذي انتخبناه من حضرة علمنا ولوح قضائنا.

{ إنا } من كمال فضلنا وجودنا { جعلناه قرآنا } فرقانا بيانا، وتبيانا { عربيا } أسلوبا ونظما { لعلكم تعقلون } [الزخرف : 3] وتفهمون ما فيه من الأسرار العجيبة والحكم البديعة والرموز والإشارا التي خلت عنها الكتب السالفة.

{ وإنه } أي: الشأن المندرج فيه، والمرموز إليه من جملة ما هو كائن مثبت { في أم الكتاب } الذي هو حضرة العلم ولوح القضاء، ولا يمكنكم الإطلاع عليها والاستفادة منها إلا بوسائل الألفاظ لكونه محفوظا { لدينا } محروسا عندنا، لا يتيسر لكم الوصول إلينا، ما دمتم محبوسين في مضيق الإمكان، مقيدين بسلاسل الزمان والمكان؛ إذ ساحة عز حضورنا { لعلي } منيع متعال عن أن يحوم حول سرادقات عزن أحد من خلقنا، ونحن { حكيم } [الزخرف: 4] في تكل المنعة والدفاع، لا نطلعكم على سرائرنا وأسرارنا، إلا من وراء الحجب والأستار.

ثم استفهم سبحانه مهددا مقرعا، مشيرا إلى ما أودع سبحانه في استعدادات عباده من قابلية الهداية والرشاد، بقوله: { أ } نهملكم أيها المجبولون على فطرة الهداية، ولم نرسل إليكم يرشدكم إلى ما جبلتم لأجله من قابلية الانكشاف لسرائر توحيدنا { فنضرب } أي: فنصرف { عنكم الذكر } أي: القرآن المبين لكم ما في نشأتكم وفطرتكم من الاطلاع والشعور على شئوننا وتجلياتنا الذاتية، وبالجملة: نعرض عنكم { صفحا } إعراضا وانصرافا كليا، مع كمال قابليتكم على الصلح وبالفوز بالفلاح { أن كنتم } أي: أنهملكم لئن كنتم { قوما مسرفين } [الزخرف: 5] منحطين عن الاعتدال الفطري القسط الجبلي الذي جبلناكم عليه؛ والمعنى: أنهمل مقتضيات حكمتنا المودعة فيكم، إن كنتم في أنفسكم قوما مسرفين في التمرد والإعراض؟.

{ وكم أرسلنا } أي: كثير أرسلنا { من نبي } هاد مرشد { في الأولين } [الزخرف: 6] أي: في الأمم الماضين المسرفين في التمرد والإعراض.

{ و } هم من شدة تعنتهم وإصرارهم { ما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون } [الزخرف: 7] أمثال هؤلاء المستهزئين معك يا أكمل الرسل.

وبعدما تمادوا في الغفلة والعناد، وبالغوا فيها مغرورين { فأهلكنآ } أي: أخذناهم بذنوبهم، واستأصلناهم مع كونهم { أشد منهم } أي: من هؤلاء المسرفين المستهزئين معك { بطشا } حولا وقوة، وأكثر أموالا وأولادا، وأكبر جاها وشدة { و } بعدما { مضى } وجرى { مثل الأولين } [الزخرف: 8] على ما جرى، ومضى مثل الأولين من قصصهم ووقائعهم الهائلة، وسيمضي ويجري عن قريب على هؤلاء أيضا مثلهم بالطريق الأولى.

[43.9-14]

{ و } كيف لا يجري عليهم ما جرى على أسلافهم مع أنهم أعظم جرما وأكبر إنكارا منهم، ومن إنكارهم أنهم { لئن سألتهم } أي: مشركي مكة يا أكمل الرسل: { من خلق السموت والأرض } وأوجدهما من كتم العدم { ليقولن خلقهن العزيز } الغالب على الخلق والإيجاد { العليم } [الزخرف: 9] المطلع على سرائر ما أوجد وإظهر.

ومع اعترافهم بأخص أوصاف الفاعل المختار، وإقرارهم باستناد الأمور المتقنة إلى أوصافه وأسمائه، أنكروا وحدة ذاته، وأشركوا معه غيره عتوا وعنادا، قل لهم يا أكمل الرسل بعدما بالغوا في الإنكار والإصرار: كيف تنكرون وحدة الحق أيها الجاحدون المنكرون مع أن الله { الذي جعل لكم الأرض مهدا } تستقرون فيها، وتتوطنون عليها مترفهين متنعمين { وجعل لكم فيها سبلا } لمعاشكم، تطلبون منها حوائجكم، وطرقا تصلون منها إلى معادكم { لعلكم تهتدون } [الزخرف: 10] بها إلى وحدة ربكم.

صفحة غير معروفة