تفسير الجيلاني
ثم لما أشار سبحانه إلى وحدة ذاته بالنسبة إلى عموم عباده، أراد أن ينبه على المستكشفين من أرباب المحبة والولاء، الوالهين في مطالعة وجهه الكريم، فخاطب حبيبه صلى الله عليه وسلم؛ إذ هو الحري بأمثال هذه الخطابات، فقال مستفهما على سبيل التعجب: { أولم يكف بربك } أي: أتشكون في وجود مربيك يا أكمل الرسل ومربيهم، وظهوره وتحققه، ولم يكف دليلا { أنه } بذاته وعموم أسمائه وصفاته { على كل شيء } مما لاح عليه برق وجوده ورشاشة نوره { شهيد } [فصلت: 53] حاضر غير مغيب عنه.
وبالجملة: أو لم يكف لهم دليلا على تحقق الحق وحضوره مع كل شيء من مظاهره ومصنوعاته.
ثم نور سبحانه ما نبه عليه على سبيل التعجب والتلويح تأكيد ومبالغة وزيادة إيضاح، فقال: { ألا إنهم } بعدما أضاء لهم شمس الذات من مرايا الكائنات { في مرية } شك وارتياب { من لقآء ربهم } فيها ومطالعة وجهه الكريم عنها { ألا إنه } بذاته حسب شئونه وتطوراته المتفرعة على أسمائه وصفاته { بكل شيء } من مظاهره ومصنوعاته { محيط } [فصلت: 54] بالاستقلال والانفراد، إحاطة ذاتية بلا شوب شركة؛ إذ لا موجود سواه، ولا إله إلا هو.
خاتمة السورة
عليك أيها السالك المترقب لشهود الحق من ذرائر عموم الجمال والمظاهر الظاهرة في الآفاق والأنفس أن تصفي ضميرك أولا من وساوس مطلق الأوهام، والخيالات العائقة من التوجه إلى صرافة الوحدة، وتجلي خلدك عن الإضافات الصارفة عنه.
فلك أيضا أن تكون في نفسك متوجها إلى ربك الذي هو حصة لا هوتك، ونشأة جبروتك، خاليا عنك وعن لوازم ناسوتك وعوارض بشريتك بالمرة، بحيث لا شعور لك عما جرى على هويتك أصلا.
وبالجملة: كن فانيا في الله، باقيا ببقائه، ناظرا بنوره إلى وجهه الكريم تفز بنعيم الجنات وعظيم اللذات، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
[42 - سورة الشورى]
[42.1-6]
{ حم * عسق } [الشورى: 1-2] يا حامل وحي الله، وماحي الوجود عن غيره يا عالم سرائر قدرة الله، وعارف سريان سر وحدته الذاتية على قلوب خلص عباده من الأنبياء والأولياء.
صفحة غير معروفة