663

[40.23-26]

{ و } اذكر يا أكمل الرسل { لقد أرسلنا } من مقام جودنا أخاك { موسى } الكليم { بآياتنا } الدالة على كمال قدرتنا { وسلطان مبين } [غافر: 23] أي: حجة واضحة دالة على صدقه في رسالته ودعوته.

{ إلى فرعون } الطاغي الذي بالغ في العتو والعناد، حيث تفوه ب " أنا ركبم الأعلى " { وهامان } المصدق لطغيانه، المعاون على عتوه وعدوانه { وقارون } المباهي بالثروة والغنى، وبعدما بلغ إليهم الدعوة، وأظهر عليهم المعجزة { فقالوا } بلا تردد وتأمل فيما سمعوا وشاهدوا منهم: ما هذا المدعي إلا { ساحر } في بينته { كذاب } [غافر: 24] في دعوته؛ أي: فاجؤوا على التكذيب والإنكار بلا مبالاة به وبشأنه، بمقتضى ما هم عليه من العتو والاستكبار.

{ فلما جآءهم } موسى ملتبسا { بالحق } مؤبدا { من عندنا } وآمن له بنو إسرائيل حين عاينوا منه الآيات الكبرى والمعجزات العظمى { قالوا } يعني: فرعون أصالة، وملؤه تعبا لأعوانهم وأتباعهم: { اقتلوا أبنآء الذين آمنوا معه } يعني: أعيدوا على بني إسرائيل الزجر الشنيع الذي أنتم تفعلون معهم من قبل { واستحيوا نسآءهم } للزواج والوقاع، تعييرا عليهم وتضعيفا لهم؛ يعني: هم قصدوا المكر والمقت على أولئك المؤمنين بقولهم هذا { و } ما يظن أنهم ممكورون وممقوتون؛ إذ { ما كيد الكافرين } ومكرهم حيث كادوا ومكروا { إلا في ضلال } [غافر: 25] أي: هلاك وبوار على أهل الحق، لذلك لم ينالوا على ما قصدوا، بل عاد عليهم، ولحق بهم أضعاف ما قصدوا إياهم، ومكروا لأجلهم.

{ و } بعدما ظهر أمر موسى الكليم وعلا قدره، وانتشر بين الناس حجته وبرهانه { قال فرعون } لملئه الذين قالوا له حين غلب موسى على السحرة، وقصد فرعون قتله فمنعه الملأ عن قتله، حتى لا يظهر بين الناس مغلوبيته من مسى، مع أنه ادعى الألوهية لنفسه: { ذروني } أي: ارتكوني على حالي، أنا { أقتل موسى وليدع ربه } أي: يمنعني عن قتله، أو يهلكني لأجله؛ يعني: لا أبالي به وبربه، بل { إني أخاف } عليكم لو لم أقتله { أن يبدل دينكم } وانقيادكم على سحره { أو أن يظهر في الأرض الفساد } [غافر: 26] أي: النهب والغارة في أطراف المملكة وأكناف البلاد، وإن لم يقدر على تغيير دينكم وعقائدكم.

[40.27-29]

{ و } بعدما وصل إلى موسى مقصد له العدو { قال موسى } متوكلا على الله مفوضا أمره إليه: { إني عذت } والتجأت { بربي وربكم } الواحد الأحد الصمد المراقب على حفظ عباده الخلص أيها المؤمنون { من } شر { كل متكبر } متناه في الكبر والخيلاء بمقتضى أهويته الباطلة وإرادته الفاسدة؛ إذ { لا يؤمن } ويصدق { بيوم الحساب } [غافر: 27] حتى يرتدع عن أمثال هذه الجرأة على رسل الله، وخلص عباده، فإنه سبحانه يكفي عني مؤمنة شره.

{ و } بعدما صمم فرعون عزمه لقتل موسى، وجزم لمقته وهلاكه { قال رجل مؤمن } موحد ماكان له اعتقاد بألوهية فرعون، وإن كان { من آل فرعون } لكن { يكتم إيمانه } مهم: { أتقتلون } أيها المسرفون المتكبرون { رجلا } موحدا بمجرد { أن يقول } حقا: { ربي الله } الاحد الأحد الصمد، المنزه عن الشريك والنظير،

ليس كمثله شيء وهو السميع البصير

[الشورى: 11] { و } الحال أنه { قد جآءكم بالبينات } الواضحة المعجزات اللائحة من قبل { ربكم } الذي أوجدكم من كتم العدم { وإن يك كاذبا } في دعواه { فعليه كذبه } اي: وبال كذبه آيل إليه { وإن يك صادقا يصبكم } ألبتة { بعض الذي يعدكم } بمقتضى وحي الله وإلهامه، وبالجملة: { إن الله } الهادي إلى سبيل الرشاد { لا يهدي } ويوفق على الهداية كل { من هو مسرف } في فعله { كذاب } [غافر: 28] في قوله، فلا حاجة إلى قتله ودفعه؛ إذ قد يرهق عن قريب إن كانا كاذبا.

صفحة غير معروفة