تفسير الجيلاني
وإنما كرره سبحانه ما كرره تأكيدا ومبالغة في التهديد والتوعيد، تسلية لحبيبه صلى الله عليه وسلم فقال: { سبحان ربك } يا أكمل الرسل، وتنزهت ذاته عن معتقدات أهل التشبيه مطلقا، وما نسبوا إليه سبحانه من أمارات الإمكان وعلامات النقصان، وكيف ينسبون إلى { رب العزة } والقدرة والغلبة والكبرياء والاستقلال التام والاستيلاء العام، المنزه ذاته عن الإحاطة، وصفته عن العد والإحصاء، تعالى شأنه عن التحديد والتوصيف { عما يصفون } [الصافات: 180] به أولئك المسرفون المفرطون من إثبات الولد والإيلاد والاستيلاد.
{ وسلام } من الله وبركاته { على } عباده { المرسلين } [الصافات: 181] من عنده؛ لتبيين توحيده وتقديسه وتعاليه عن إحاطة مطلق المدارك والعقول.
{ والحمد } من ألسنة جميع من يتأتى منه الحمد والثناء حالا ومقالا { لله } الواحد الأحد الصمد، المنزه عن اتخاذ الأهل والولد { رب العالمين } الصافات: 182] الذين ظهورا من شئونه وتطوراته حسب أسمائه وصفاته، ورباهم أيضا على حسبها إظهارا لكمال قدرته وعموم إحاطته.
وعن المرتضى الأكبر المتحقق بمقام التسليم والرضا - كرم الله وجهه - أنه قال: من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه من مجلسه: { سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام على المرسلين * والحمد لله رب العالمين } [الصافات: 180-182].
خاتمة السورة
عليك أليها الرائي المتحقق بجلال الحق، وكمال كبريائه، واستغنائه عن عموم مظاهره ومصنوعاته، واستيلائه على جميع ما ظهر وبطن من الأمور الكائنة المنعكسة من بروق تجلياته حسب أسمائه وصفاته المندرجة في شمس ذاته، أن تلاحظ شئون الحق على هياكل الموجودات، وتطالع ظهورها على صحائف الكائنات التي هي بالحقيقة كالمرايا لظهور آثار الأسماء والصفات الإلهية، وتتفكر فيخلق السفليات والعلويات، وتتأمل في كيفية ارتباطاتها ورجوعها إلى الوحدة الحقيقية الحقية، وكيفية سريان الوحدة الذاتية عليها بلا حلول واتحاد واتصال وانفصال وحصول وامتثال، وكذا عن كيفية انبساط أظلال الوجود الإلهي على ذرائر الأكوان، وامتداداتها على مرايا الإعدام على سبيل التجدد والتقضي بلا طريا ضد وحلول فترة وانقطاع أصلا.
ومن تأمل ظهور الحق على الآفق والأنفس على الوجه الذي تلا، فقد تحقق بعزة الله، وانكشف له وحدته المحتوية على عموم الكثرات بلا توهم كثرة في ذاته المستغني عن التعدد مطلقا، فحينئذ ارتفع عن بصر شهوده غير الحق وشئونه، ولا يرى في فضاء وجوده سوى الله موجودا ومشهودا، فتمكن حينئذ في مقام التوحيد، وأخذ في التنزيه والتقديس والتسليم والتكبير والتحميد، قائلا بلسان استعداده: { سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام على المرسلين } [الصافات: 18-181] المنبهين على مرتبة التوحيد، { والحمد لله رب العالمين } [الصافات: 182] آمين.
[38 - سورة ص]
[38.1-5]
{ ص } أيها الصفي، الصافي مشربه عن الأمور المنافية لتوحيد الحق وإيجاده وصرافة وحدته الذاتية، والصدوق الصادق في ادعاء الرسالة والنبوة بمقتضى الوحي الإلهي وإلهامه، والصبور الصابر على متاعب الدعوة والتبليغ وحمل أعباء الرسالة.
صفحة غير معروفة