579

{ و } بعدما أخبر سبحانه بقيام الساعة في كتبه وعلى ألسنة رسله، سيما في كتابك يا أكمل الرسل وعلى لسانك { قال } الجاحدون المنكرون { الذين كفروا } بالحق، وستروه بالباطل وكذبوا الرسل وعاندوا معهم يا أكمل الرسل، مستهزئين: { لا تأتينا الساعة } الموعدة على لسانك أيها المدعي مع أنك أدعيت الصدق في جميع أخبارك وأقوالك، فكيف لا تأتي الساعة التي ادعيت إتيانها، وأخبرت بها؟! لعلك كذبت وافتريت إلى ربك { قل } لهم يا أكمل الرسل بعدما استهزءوا معك، ونسبوك إلى الكذب والافتراء، وأنكروا بإتيان الساعة: { بلى } تأتي الساعة الموعودة علي وعلى حميع الرسل والأنبياء، لاشك في إتيانها وقيامها { و } حق { ربي } القادر المقتدر على إنجاز جميع ما وعد بلا خلف { لتأتينكم } الساعة الموعودة من عندهح إذ وعده سبحانه مقضي حتما جزما بلا شائبة شك وطريان غفلة عليه وسهو عنه، وكيف يطرأ عليه سبحانه سهو وذهول، وهو { عالم الغيب } بالعلم الحضوري، فالمغيبات حاضرة عنده غير مغيبة عنه؛ إذ { لا يعزب } ولا يغيب { عنه } سبحانه وعن حيطة حضرة علمه { مثقال ذرة } ومقدار خردلة لا من الكوائن { في السموت } أي: العلويات { ولا } من الكوائن { في الأرض } أي: السفليات، ولا من المكونات الحادثة بينهما { ولا أصغر من ذلك } المقدار { ولا أكبر } منه { إلا } وهو مثبت { في كتاب مبين } [سبأ: 3] هو حضرة علمه ولوح قضائه.

إنما أثبت وأحضر الكل في لوح قضائه { ليجزي } سبحانه المؤمنين { الذين آمنوا } بتوحيده، واعترفوا بتصديق رسله { وعملوا الصالحات } المقربة إليه سبحانه، المقبولة عنده، خير الجزاء ويعطيهم أحسن المواهب والعطاء { أولئك } السعداء المقبولون عنده المستحقون لأنواع الكرامات { لهم مغفرة } لما تقدم من ذنوبهم تفضلا عليهم { ورزق كريم } [سبا: 4] صوري في الجنة، ومعنوي عند وصولهم إلى شرف لقائه، بلا كيف وأين ووجهة وجهة ومكان وزمان.

[34.5-9]

{ و } ليجزي سبحانه أيضا أسوأ الجزاء وأشد العذاب والنكال الكافرين { الذين سعوا } واجتهدوا { في } إبطال { آياتنا } الدالة على توحيد ذاتنا وكمال أسمائنا وصفاتنا حال كونهم { معاجزين } قاصدين عجزنا عن إتيان الآيات البينات، منكرين لإيجادنا وإنزالنا إياها، مكذبين رسلنا الحاملين لوحينا، صارفين الناس عن تصديقهم وعن الإيمان بنا وبهم، وملتهم { أولئك } الأشقياء المردودون، المبعدون عن روح الله وسعة رحمته، المنهمكون في الغي والضلال { لهم عذاب } عظيم، أشد وأسوأ { من } كل { رجز أليم } [سبأ: 5] وعقوب مؤلمة؛ لعظم جرمهم وسعيهم في إبطال آياتنا الناشئة عن كمال قدرتنا ووفور حكمتنا، وإنما سعوا واجتهدوا في إبطال آياتنا؛ لجهلهم بنا وبها بما فيها من الهداية العظمى والسعادة الكبرى، وعدم تأملهم وتدبرهم في مرموزاتها ومكنوناتها؛ لذلك أنكروا بها اجتهدوا في إبطالها وتكذيبها جهلا وعنادا.

{ ويرى } يا أكمل الرسل العلماء العرفاء { الذين أوتوا العلم } من قبلنا فضلا منا إياهم المتعلق بأن الكتاب { الذي أنزل إليك من ربك } تأييدا لشأنك وترويجا لأمرك { هو الحق } المطابق للواقع، الحقيق بالمتابعة والإطاعة، الثابت المثبت نزوله عندنا بلا ريب وتردد { و } كيف لا يكون حقا { يهدي } بأوامره ونواهيه أو تذكيراته الضالين المنصرفين عن جادة العدالة { إلى صراط العزيز } الغالب، القادر المقتدر على انتقام المنحرفين عن منهج الرشاد { الحميد } [سبأ: 6] المستحق في ذاته لجميع المحامد الكرمات، لولا تحميد الناس له وتمجيدهم إياه، وصراطه هو التوحيد الذاتي المستلزم لتوحيد الصفات والأفعال، المنبئ عن إسقاط عموم الإضافات.

{ و } بعدما سمع المشركون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحوال الحشر والنشر والمعاد الجسماني، وأهوال الفزع الأكبر { قال الذين كفروا } أي: بعض لبعض على سبيل الاستهزاء والتهكم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مستفهمين مستنكرين، متعجبين من قوله: { هل ندلكم على رجل } يعنون الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما أنكروه لاستبعادهم قوله إنكارهم على مقوله، وإنما يتحدثون به بينهم؛ لغرابته { ينبئكم } بالمحال العجيب ويخبركم بالممتنع الغريب معتقدا إمكانه، بل جازما بوقوعه ووجوده، وهو أنكم { إذا مزقتم } وفرقتم { كل ممزق } أي: تفريقا بليغا وتشتيتا شديدا، إلى حيث صرتم هباء تذهب به الرياح { إنكم } بعدما صرتم كذلك { لفي خلق جديد } [سبأ: 7] على النحو الذي كنتم عليها في حياتكم قبل موتكم بلا تفاوت، كما يتجدد الأعراض بأمثالها.

بعدما سمعتم قوله هذا، كيف تتفكرون في شأن هذا الرجل الذي يدعي النبوة والوحي والرسالة من عند الحكيم العليم، مع أنه صدر عنه أمثال هذه المستحيلات، أي شيء تظنون في أمره هذا؟!.

{ أفترى } وكذب عن عمد ونسبه { على الله كذبا } تغريرا وتلبيسا على ضعفاء الأنام؛ ليقبلوا منه أمثال هذه الخرافات، ويعتقدوه رسولا مخبرا عن المغيبات وعجائب الأمور وغرائبه { أم به جنة } خبط واختلال يعرض في دماغه، فيتكلم بأمثال هذه الهذيانات هفوة بلا قصد وشعور بها، كما يتكلم بأمثاله سائر المجانين، وسماه وحيا وإلهاما؟!.

ثم لما بالغ المشركون في قدحه صلى الله عليه وسلم وتجهيله، رد الله عليهم بأنه لا افتراء في كلامه صلى الله عليه وسلم وإخباره، ولا خبط في عقله؛ إذ هو صلى الله عليه وسلم من أعقل الناس وأبعدهم عن الافتراء والمراء وأسلمهم عن الكذب وجميع الكدورات الطبيعية مطلقا { بل } الكافرون الضالون { الذين لا يؤمنون بالآخرة } والأمور التي أخبر الله بوقوعها فيها، ولا يصدقون أيضا بما نطق به الكتب والرسل، مخلدون في النشأة الأخرى { في العذاب } المؤبد المخلد { و } متوغلون في { الضلال البعيد } [سبأ: 8] عن الهداية أبد الآباد، لا نجاة لهم منها، ومن شدة غيهم وضلالهم تكلموا بأمثال هذه الهذيانات الباطلة بالنسبة إلى من هو منزه عن أمثالها مطلقا.

ثم أشار سبحانه إلى كمال قدرته واقتداره على انتقام المكذبين ليوم الحشر والجزاء والمفترين على رسوله صلى الله عليه وسلم على سبيل الجزاء من الخبط والجنون، وغير ذلك من الأمور التي لا يليق بشأنه صلى الله عليه وسلم، فقال مستفهما على سبيل التقريع والتوبيخ: { أ } عموا وفقدوا أبصارهم أولئك المعاندون { فلم يروا } ولم ينظروا ويبصروا { إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السمآء } المحيط بهم خلفا ووراء { والأرض } الممهدة لهم بين أيديهم، يتمكنون عليها ويتنعمون بمستخرجاتها وبما نزل عليها من السماء، ولم تتفكروا وتتأملوا أن إحياء الموتى أهون من خلق السماوات العلا على إيجادهما أكمل من القدرة على إعادة المعدوم، فينكروا قدرتنا عليها مع أنهم يرون منا أمثال هذه المقدورات، ولم يخافوا من بطشنا وانتقامنا، ولم يعلموا أنا من مقام قهرنا وجودنا وجلالنا { إن نشأ } إهلاكهم واستئصالهم { نخسف بهم الأرض } كما خسفنا على قارون وأمثاله { أو نسقط عليهم كسفا } بالتحريك والتسكين على القراءتين؛ أي: قطعا { من السمآء } فنهلكهم بها { إن في ذلك } البيان على وجه التقريع والتعبير { لآية } دالة على قدرتنا وقهرنا على انتقام من خرج عن ربقة عبوديتنا { لكل عبد } تحقق بمقام العبودية وفوض أموره كلها إليها { منيب } [سبأ: 9] رجع إلينا وهرب عن مقتضيات قهرنا وجلالنا، بعدما عرف أن الكل منا بدأ، ويحولنا وقوتنا ظهر وعاد أيضا كما بدأ؛ إذ منا المبدأ وإلينا المنتهى، وليس وراءنا مقصد ومرمى.

صفحة غير معروفة