577

فقال: { يأيها الذين آمنوا } بمحمد صلى الله عليه وسلم مقتضى إيمانكم به أن { لا تكونوا } قاصدين أذاه صلى الله عليه وسلم بنسبة المكروه المنكر إليه، وبتعبيره وتشنيعه بأمر صدر عنه ولم تفهموا سره { كالذين آذوا موسى } صلوات الله وسلامه عليه، فاغتم منها وتحزن حزنا شديدا { فبرأه الله } المطلع على نجابة طينته وطهارى ذيله وأظهر طهارته { مما قالوا } أي: من مقولهم؛ يعني: مؤداة ومضمونه.

وذلك أن قارون استأجر بغية بجعل كثير على أن تمري موسى عليه السلام بنفسها، فرموه بها، ثم أحضروها في المجلس؛ لتفضحه عليه السلام على رءوس الملأ، فأقرت لعصمته عليه السلام وأظهرت ما أعطوها من الجعل، فدعا موسى عليه، ففعل بهم وبما معهم سبحاه ما فعل من الخسف على ما مر في سورة " القصص " أو قذفوه بعيب في بدنه من برص أو أدرة، فبرأه الله سبحانه بأن تذهب الحجر بثيابه بين الملأ وهو يمشي على عقب ثيابه عريانا يظهر، حتى يظهر براءته من العيب لهم { و } كيف لا يبرؤه سبحانه، ولا يظهر طهارته؛ إذ { كان } موسى عليه السلام { عند الله } الذي اصطفاه للنوبة والرسالة والتكلم معه { وجيها } [الأحزاب: 69] في كمال الوجاهة والقربة؛ لذلك اختاره بسمع كلامه بلا واسطة.

وبعدما سمعتم حكاية ما جرى على أولئك البغاة الغواة المؤذين المفترين { يأيها الذين آمنوا } بالله ورسوله { اتقوا الله } المنتقم الغيور، ولا تؤذوا رسوله صلى الله عليه وسلم { وقولوا } له بعدما تكلمتم معه في شأنه { قولا سديدا } [الأحزاب: 70] صحيحا سالما، بعيدا عن وصمة الأذى والتهمة والافتراء؛ حتى لا يلحقكم ما لحق على قوم موسى.

ولكم الإخلاص بالله ورسوله، وأخلصوا واستقيموا في الأفعال والأقوال وأطيعوا { يصلح لكم } سبحانه { أعمالكم } لتثمر لكم الثمرات العجيبة والدرجات الرفيعة عنده سبحانه { ويغفر لكم ذنوبكم } التي صدرت عنكم { ومن يطع الله } حق إطاعته ويخلص في أعماله { و } يطع { رسوله } إطاعة خالية عن وصمة الأذى والرعونات المؤدية إلى أنواع المكروهات والمنكرات { فقد فاز } ونال { فوزا عظيما } [الأحزاب: 71] هو الدخول بدار الخلود، والفوز بلقاء الخلاق الودود.

[33.72-73]

ثم لما أراد سبحانه بمقتضى تجلياته الحبيبة اللطيفة أن يطالع ذاته الكاملة المتصفة بصفات الكمال في مرآة مجلوة تصير نائبة عنها، خليفة لها، يتراءى فيها جميع أوصافه وأسمائه الذاتية على ما أشار إليه الحديث القدسي، عرض سبحانه أمانة الخلافة والنيابة على استعدادات المظاهر وقابليات المصنوعات فامتنع الكل عن حملها، وأبى عن قبولها كما قال سبحانه: { إنا } بمقتضى تجلياتنا الجمالية المنبعثة عن الشئون الحبية والتطورات اللطيفة { عرضنا الأمانة } أي: أمانة الخلافة والنيابة، وأردنا أن نحمل أعباء العبودية المشتملة على التخلق بالأخلاق الإلهية والتكليفات الشاقة، القالعة للأوصاف البهيمية والأدناس الإسكانية الراسخة في القوى الطبيعية؛ لتحصل التصفية والتزكية عن أكدار الهيولي المانعة عن الوصول إلى الملأ الأعلى { على } استعدادات { السموت } العلا { و } قابليات { الأرض } السفلى { والجبال } الأسنى، وعلى استعدادات ما بينهما من المركبات العظمى والمؤلفات الكبرى { فأبين } وامتنعن؛ أي: كل منهم { أن يحملنها } إذ ما أودع سبحانه في استعداداتهم وقابلياتهم ما يسع لحمل هذه الأمانة العظيمة والكرامة الكريمة.

{ و } لذلك { أشفقن منها } أي: خفن وخشين من حملها ألا يفين حقها { و } بعدما امتنعن وخفن جميعا عن حملها { حملها الإنسان } المجبول على صورة الرحمن، المنتخب من بين الأكوان بالقوة القدسية المودعة فيه، المقتضية لحملها { إنه } حينئذ من كمال شوقه ووفور تحننه وذوقه { كان ظلوما } على نفسه بارتكاب هذه التحميلات البليغة والتكليفات الشديدة الثقيلة من ققطع المألوفات الطبيعية، والمشتهيات البهيمية واللذات الحسية { جهولا } [الأحزاب: 72] ذهولا عن مقتضيات ناسوته وملائماتها بحسب القوى البشرية لغلبة القوى الروحانية الجالبة للسعادة الأزلية الأبدية على القوى الجسمانية المستتبعة للشقاوة السرمدية، فأين هذامن ذلك؟!

رزقنا الله المنعم المفضل ألا نظلم على نفوسنا، ونمنعها عن مقتضياتها وأمانيها، بمنه وجوده.

ومن جملة الأمانات المحمولة على الإنسان: حفظ السرائر ورعاية الآداب والحقوق الجارية بين ذوي الألباب من الرجال والنساء، وإنما حملها سبحانه عليهم ابتلاء لهم واختبارا { ليعذب الله } الحكيم المتقن في أفعاله { المنافقين } المخفين، الساترين كفرهم وشركهم والخيانات الصادرة عنهم لمصلحة دنيوية { والمنافقات } منهم كذلك { والمشركين } المصرين المجاهرين بكفرهم وشركهم وخياناتهم { والمشركات } أيضا كذلك تعذيبا شديدا؛ لعدم وفائهن على الأمانات المحمولة عليهم { ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات } أي: يوفقهم على التوبة والإنابة بعدما صدر عنهم شيء من الخيانة وعدم الوفاء بالأماننة التي ائتمنوا بها من حقوق الله وحقوق العباد، وبعدما تابوا وأنابوا على وجه الإخلاص والندامة، فقد أدوا حق الأمانة ووفوا بها على وجهها { وكان الله } المطلع لإخلاصهم { غفورا } لما صدر عنهم من الخيانة قبل التوبة { رحيما } [الأحزاب: 73] يقبل توبتهم ويرحم عليهم بعدما تابوا وأخلصوا.

رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين.

صفحة غير معروفة