570

[33.28-31]

ثم لما اشتكت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من العسرة في المأكل والمشرب والملبس، وسألن منه ثياب الزينة والزيادة في النفقة، واسعة في المعيشة، وليس معه صلى الله عليه وسلم من حطام الدنيا ما يكفي مؤنتهن على هذا الوجه اغتم رسول الله صلى الله عليه سلم، وتحزن حزنا شديا، فقال تعالى مناديا له: { يأيها النبي } المباهي بالفقرة والعسرة { قل لأزواجك } حين يسألن عنك أسباب التنعم والترفه، وسعة العيش على سبيل التخيير: { إن كنتن } أيتها الحرائر العفائق { تردن الحياة الدنيا وزينتها } يعني: مطاعمها الشهية، وملابسها البهية { فتعالين } وتراضين { أمتعكن } أي: أعطيكن المتعة حسب ما ترضين { وأسرحكن } أي: أطلقن بعد إعطائها { سراحا جميلا } [الأحزاب: 28] طلاقا بينا لا بدعيا بلا ضرر ولا إضرار.

{ وإن كنتن تردن الله ورسوله } أي: رضاء الله ورضاء رسوله { و } تطلبن { الدار الآخرة } أي: المثوبات المعدة يها، الجنان الموعدة عليها فعليكن أن تصبرن على ملاذ الدنيا ومشتهياتها، وسعة مطعوماتها ولين ملبوساتها؛ حتى تكن من زمرة المحسنات اللاتي تحسن في توجههن نحو الحق واللذة الأخروية، مائلات من أمتعة الدنيا ولذاتها وشهواتها، منصرفات عنها وعن أمتعتها وألبستها، سوى سد جوعة وستر عورة { فإن الله } المطلع لضمائر عباده { أعد للمحسنات } المرجحات جانب الله وجانب رسوله على مقتضى نفوسهن، واللذات الأخروية على الدنيا وما فيها { منكن أجرا عظيما } [الأحزاب: 29] يستحقر دونها الدنيا ما فيها من اللذات الفانية، والشهوات الغير باقية.

ثم لما نبه سبحانه عليهن طريق الأحسان، وعلمهن سبيل الفوز إلى درجات الجنان أراد أن يجنبهن ويبعدهن عن دركات النيران، فقال مناديا عليهن؛ ليقبلن إلى قبول ما يبتلى عليهن: { ينسآء النبي } - أضافهن سبحانه إياه صلى الله عليه وسلم؛ للتعظيم والتوقير - من شأنكن التحصن والتحفظ عن الفحشاء، والتحرز عن المكروهات مطلقا { من يأت منكن بفاحشة } وفعلة قبيحة، وخصلة ذميمة عقلا وشرعا { مبينة } أي: بينة ظاهرة فحشها بنفسها، أو ظاهرة واضحة قبحها شرعا وعرفا - على كلتا القراءتين - { يضاعف لها العذاب ضعفين } يعني: عذابكن ضعف عذاب سائر الحرائر لا أزيد منها؛ حتى لا يؤدي إلى الظلم المنافي للعدالة الإلهية، كما يضاعف عذاب سائر الحرائر بالنسبة إلى الإماء { وكان ذلك } التضعيف { على الله يسيرا } [الأحزاب: 30] يعذبكن أن تأتي إحداكنن بها.

{ ومن يقنت } ويطع على سبيل الخضوع { منكن لله ورسوله } ويداوم على إطاعتهما وانقيادهما بإتيان الواجبات، وترك المحظورات والمكروهات { وتعمل صالحا } من النوافل والمندوبات { نؤتهآ أجرها } أي: جزاء أعمالها وطاعاتها في يوم الجزاء { مرتين } مرة على مقابلة الأعمال المأتية ومقتضى الطاعات المرضية، ومرة على ترجيحها رضا الله ورضا رسوله على مشتهيات نفسها { وأعتدنا } تفضلا { لها } وامتنانا عليها وراء ما استحقت بالأعمال والطاعات { رزقا كريما } [الأحزاب: 31] صوريا في الجنة مما تشتهي نفسها وتلذ عينها، ومعنويا من الحالات الطارئة عليها عند اسغراقها بمطالعة جمال الله وجلاله.

[33.32-34]

ثم ناداهن سبحانه تعظيما لهن، وتنبيها عليهن فقال: { ينسآء النبي } الأفضل الأكمل من بين الأنبياء والرسل، كما أن صلى الله عليه وسلم ليس في الكرمة والنجابة كآحاد الناس، بل ليس كآحاد الأنبياء والرسل، كذلك { لستن } أيضا؛ لنسبتكن إليه صلى الله عليه وسلم { كأحد } أ ي: كواحدة { من النسآء } لأن فضيلته صلى الله عليه وسلم تسري إليكن، فعليكن ألا تغفلن عنها، ولا تذهلن عن مقتضاها ورعاية حقوقها، بل من شأنكن التحصن والتقوى، والتحرز من ملهيات الهوى مطلقا، فلكن { إن اتقيتن } يعني: إن أردتن أن تتصفن بالتقوى عن محارم الله { فلا تخضعن } أي: لا تلن وتلطفن { بالقول } وقت احتياجكن إلى التكلم مع آحاد الرجال من الأجانب، ولا تجبن عن سؤالهم هينات لينات مريبات، مثل تكلم النساء المريدات لأنواع الفسادات مع المفسدين من الرجال { فيطمع الذي في قلبه مرض } وميل إلى الفجور إليكن بعدما سمع منكن تليينكن في قولكن { و } بالجملة: { قلن } بعدما تحتجن إلى التكلم معهم ضرورة { قولا معروفا } [الأحزاب: 32] مستحسنا عقلا وشرعا، بعيدا عن الريبة المثيرة للطمع، خاليا عن وصمة الملاينة المحركة للشهوات.

{ وقرن } أي: اسكن { في بيوتكن } يعني: يا نساء النبي من شأنكن التقرر والتخلي في البيوت بلا تبرز إلى الملأ بلا ضرورة رعاية لمرتبتكن التي هي أعلى مرتبة عموم النساء { و } إناحتجتن إلى التبرز والخروج أحيانا { لا تبرجن } ولا تبخترن في مشيتكن مظهرات زينتكن، مهيجات لشهوات الناظرين { تبرج الجاهلية الأولى } أي: كتبختر النساء المثيرات لشهوات الرجال في الجاهلية القديمة التي هي جاهلية الكفر، والجاهلية الأخرى جاهلية الفسوق في الإسلام.

خص سبحانه الأولى بالذكر، وإن كانت كلتاهما مذمومتان محظورتان شرعا؛ لأنها أفحش وأقبح وأظهر فسادا؛ لأن النساء فيها يتزين بأنواع الزينة، ويظهرن على الرجال بلا تستر واستحياء، بل بملاينة تامة وملاطفة كاملة على سبيل الغنج والدلال، وأنوع الحركات المطمعة للرجال { و } من حقكن يا نساء النبي الاجتناب عن مطلق المنكرات، والاشتغال بالطاعات والأعمال الصالحات، سيما المواظبة على الصلوات النوافل والمفروضات { أقمن الصلاة } المقربة لكن إلى الله على الوجه الذي علمتن من النبي صلى الله عليه وسلم { وآتين الزكاة } المطهرة لنفوسكن عن الشح، وأنواع المرض المتولدة من حب الدنيا وأمانيها إن بلغ أموالكن النصاب المقدر في الشرع.

{ و } بالجملة: { أطعن الله ورسوله } إطاعة مقارنة بكمال الخشوع والخضوع، والتذلل التام بالعزيمة الصحيحة الخالصة، الخالية عن شوب الرياء والرعونات مطلقا في جميع ما أمرتن بها، ونهيتن عنها { إنما يريد الله } المصلح لأحوال عباده الخلص بإتيان هذه المواعيظ والتذكيرات البليغة، والتنبيهات العجيبة البديعة { ليذهب عنكم الرجس } أي: يزيل القذر المستقبح المستهجن عقلا وشرعا بالمرة يا { أهل البيت } المجبولين على الكرامة والنجابة { ويطهركم } عن أدناس الطبيعة، وأكدار الهيولي المانعة عن الصفاء الجبلي الذاتي { تطهيرا } [الأحزاب: 33] بليغا، بحيث لا تبقى فيكم شائبة شين، ووصمة عيب أصلا، ذكر الضمير؛ لأن النبي وعليا وابنيه صلى الله عليه وسلم فيهم فغلب هؤلاء الذكور له على فاطمة وأزواج النبي، رضوان الله عليهم.

صفحة غير معروفة