تفسير الجيلاني
{ و } اشكر أيضا { لوالديك } ، { واخفض لهما جناح الذل من الرحمة } [الإسراء: 24] لإقامتهما على حفظك وحضانتك إلى أن كبرت، وبلغت مرتبة أشدك، وكمال عقلك ورشدك، واعلم أن شكرك لهما راجع إلي أيضا؛ إذ أقدرتهما ومكنتهما على حفظك، وألقيت محبتك في قلبيهما، وبالجملة: { إلي المصير } [لقمان: 14] والمرجع في جميع الأفعال الصادرة من العباد ظاهرا؛ إذ هم وما صدر عنهم من الأفعال مستندون إلينا أولا وبالذات، وكيف لا تستند أفعالهم إلينا؛ إذ جميع ما صدر عنهم تابع لوجوداتهم، مترتب عليها؟! والحال أنه ليس لهم وجود في أنفسهم، بل وجوداتهم إنماهي رشحة من رشحات وجود الحق، وفيء من أضلال أوصافه وأسمائه الذاتية.
{ و } بعدما أكدنا عليكم أيها المكلفون في حفظ حقوق والديكم، وبالغنا فيه { إن جاهداك } أي: والداك أيها المكلف، واجتهدا في شأنك، وبالغا في الجهد والسعي إلى أن قاتلا معك وأرادا مقتك { على أن تشرك بي } وتعتقد ربا سواي وتعبده مثل عبادتي، مع أنك خالي الذهن؛ إذ { ما ليس لك به علم } يتعلق بنفي الشريك وإثباته أيضا { فلا تطعهما } في أمرهما هذا وسعيهما فيه؛ إذ أصل فطرتك مجبولة على التوحيد سواء تعلق علمك به أو لم يتعلق، فلك ألا تطعهما وتنصرف عن أمرهما هذا { و } مع انصرافك على أمرهما هذا { صاحبهما في الدنيا } وإن كانا مشركين { معروفا } مستحسنا عقلا وشرعا ومروءة حفظا لحقوقهما.
{ و } لا تتبع بشركها وكفرهما، بل { اتبع } في الدين والملة { سبيل من أناب } ورجع { إلي } ودين من توجه نحوي موحدا إياي، بريئا من الشرك معي، وبالجملة: امرض على التوحيد واسلك طريقه مادمت في دار الابتلاء { ثم } بعدما انقرضت النشأة الأولى { إلي مرجعكم } تابعا ومتبوعا، أصلا وفروعا { فأنبئكم } وأخبركم { بما كنتم تعملون } [لقمان: 15] أي: بتفاصيل أعمالكم التي صدرت عنكم في دار الاختبار، وأجازيكم على مقتضاها، إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
[31.16-19]
وبعدما سجل لقمان على ابنه التوحيد بنفي ضده على طريق المبالغة والتأكيد، أراد أن ينبه عليه بأنه لا بد له أن يحفظ على نفسه الأدب مع الله في كل الأحوال، بحيث لا يصدر عنه شيء يخالف توحيده، ولا يلائمه ولو كان ذرة حقيرة؛ إذ لا يعزب عن حيطة حضرة علمه سبحانه شيء، فقال أيضا مناديا: { يبني إنهآ } أي: الخصلة الذميمة التي أتيت بها المنافية للتوحيد، أو الخصلة الحميدة الملائمة له، لا يعزب كلامهما عن علم الله مطلقا، وبالجملة: { إن تك } فرضا ما جئت به من الخصلة الذميمة والحميدة في صغر الحبة والوزن { مثقال حبة } واحدة كائنة { من خردل } أي: هي مثل في الحقارة والصغر { فتكن } أنت بعدما جئت بها { في صخرة } أي: جوفها، وهي أخفى المواضع وأستر الأمكنة { أو في } أعلى { السموت } وفوقها، وهو ما وراء الفلك الأطلس { أو في } أسفل { الأرض } وقعرها.
وبالجملة: إن كنت في أخفى الأماكن وأحفظها { يأت بها } أي: بك وخصلتك التي صدرت عنك { الله } الرقيب عليك في جميع حالاتك، ويجازيك بمقتضاها إن تعلق إرادته ومشيئته بأحضارك وإتيانها، وبالجلمة: { إن الله } المطلع على السرائر والخفايا { لطيف } لا يحجبه حجب، ولا يمنعه سدل { خبير } [لقمان: 16] ذو خبرة، يعلم كنه الأشياء وإن دقت ورقت ولا كتنه ذاته، مع أنه أظهر وأبين في ذاته من عموم مظاهره ومصنوعاته.
وبعدما سمعت { يبني } وصف ربك وحيطة علمه وقدرته، ولطافة إطلاعه وخبرته { أقم الصلاة } أي: دوام ميلك نحوه بجميع أركان وجوارحك مخلصا في ميلك ورجوعك إليه سبحانه، محرما على نفسك جميع ما يشغلك عن ربك، مجردا عاريا قلبك عن جميع منسوباتك ومقتضيات بشريتك ولوازم هويتك { وأمر } يا بني على بني نوعك أولا إن قصدت تكميلهم وإرشادهم إلى مقصد التوحيد { بالمعروف } المستحسن عقلا وشرعا، وكلم معهم على قدر عقولهم بلا إغراء ولا إغواء، ولا تفش عليهم سر التوحيد ما لم يستحقوا لحفظه، ولم يستعدوا له قبوله { وانه عن المنكر } المستهجن عقلا وشرعا، وعادة ومرءوة، ونبههم على وجه القبح والهجنة، وألطف معهم في تبيينها لعلهم يتفطنون بمقتضى فطرتهم التي فطروا عليها في بدء الأمر.
{ و } بالجملة: { اصبر على مآ أصابك } في تمشية سلوك التوحيد، وتقوية طريقه، وكن متحملا على مشاق الطاعات ومتاعب العبادات، وارض من ربك بجميع ما جرى عليك، وثبت لك في لوح قضائه { إن ذلك } المذكور؛ أي: كل واحد من الأمور المذكورة والخصائل المأمورة { من عزم الأمور } [لقمان: 17] أي: من الأمور التي عم الحق عليها، وأوجبها على أولي العزائم الصحيحة من خلص عباده إرشادا لهم إلى وحدة ذاته، وزلال هدايته الصافية عن كدر الضلالات والجهالات.
وكن يا بني في تمدنك ومعاشرتك مع بني نوعك لينا هينا، بشاشا بساما { ولا تصعر } أي: لا تمل ولا تعرض { خدك } أي: صفحة وجهك التي بها مواجهتك { للناس } ولا تلو عنقك عنهم كبرا وخيلا، كما يفعله أرباب النخوة من الجهلة المستكبرين المتفوقين، المفتخرين بما عندهم من المال والجاه والثروة والسيادة، والعلوم الرسمية على الفقراء الضعفاء الفاقدين لها { و } بالجملة: { لا تمش } يا بني { في الأرض } التي بسطت للتذلل والانكسار { مرحا } أي: ذا فرح وسرور، متفخرا بما عندك من الحطام الفاني { إن الله } المتعزز برداء العظمة والكبرياء { لا يحب كل مختال } يمشي على وجه الأرض خيلا، بحيث يتبادر منه الكبر والنخوة في بادئ النظر { فخور } [لقمان: 18] بما عنده من الحسب والنسب، والمال والجاه بطر بها، مباه بسببها.
{ واقصد في مشيك } أي: توسط يا بني في مشيك بين الإسراع المذهب بهاء المؤمن ووقاره، وبين الدبيب الموجب للعجب والخيلاء { واغضض من صوتك } أيضا، وأنقص منه ولا ترفعه وإن كان حسنا، فإنك - يقصد رفعة صوتك مبالغا فيها - تشبه الحمار؛ إذ هو مخصوص من بين سائر الحيوانات بترفيع الصوت والمبالغة فيه، ومن بالغ في رفع صوته، فقد أشبه نفسه به، ولا شك أن صوته منكر عند جمهور العقلاء، وجميع الحيوانات أيضا حتى إن الكلب يتأذى من صوته، ويفزع منه عند سماعه من غاية تأثيره وتألمهن وبالجملة: { إن أنكر الأصوات } وأوحشها وأقرعها للآذان { لصوت الحمير } [لقمان: 19] وكيف تشبهون أنفسكم أيها المجبولون على الشرف والكمال على أدون الحيوانات، وأذل المخلوقات، وأنزلها رتبة؟!.
صفحة غير معروفة