535

{ وإن تكذبوا } أي: إن تكذبوني في قولي ولم تقبلوا مني رسالتي، ولم تتعظوا بنصحي وإرشادي { فقد كذب أمم } أمثالكم رسلهم مثلي { من قبلكم } ومن قبلي فصار تكذيبهم وبالا عليهم وسبب هلاك لهم ونزول عذاب عليهم { و } مع ذلك ما أبالي بتكذيبكم كما لم يبالوا بتكذيب أممهم؛ إذ { ما على الرسول } المرسل إلى قوم من عند الله { إلا البلاغ المبين } [العنكبوت: 18] أي: تبليغ ما أرسل به مكشوفا ظاهرا بلا سترة وحجاب وزيادة ونقصان، وأما أمر القبول والامتثال بالمأمور فمفوض إلى مشيئة الله وإرادته وقدرته له؛ أي: يتصرف في عباده بأن جعل الكافر الجاحد مؤمنا مطيعا، والمطيع المؤمن كافرا نافيا للصانع - العياذ بالله من سخطه وغضبه - فالكل مقدور له مثبت في لوح قضائه، حاضر في حضرة علمه، لا يسأل عن فعله وحكمه، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

[29.19-23]

{ أولم يروا } إلى كمال قدرته ومتانة حكمه وحكمته { كيف يبدئ } أي: يظهر ويبدع { الله } القادر المقتدر { الخلق } أي: جميع المخلوقات والموجودات من كتم العدم بلا سبق مادة ومدة { ثم يعيده } ويعدمه كما برأه وأظهره على مقتضى النشأتين نزولا وعروجا، هبوطا وصعودا، ظهورا وبطونا، مدا وقبضا، نشرا وطيا، لطفا وقهرا، جمالا وجلالا { إن ذلك } التبديل والتحويل { على الله } المتجلي في الأكوان في كل آن في شأن { يسير } [العنكبوت: 19] إذ لا يعرضه العسر والفتور، ولا يلحقه العجز والقصور ولا يبرمه مر الدهور وكر الشهور.

وإن أنكروا لك ولم يقبلوا منك تنويرك الذي جئت به { قل } لهم يا أكمل الحلم والخلة: { سيروا في الأرض } سير معتبر خبير { فانظروا } بنظر الاعتبار والاستبصار { كيف بدأ } وأظهر { الخلق } في أقطار الآفاق ونشرهم فيها وبسطهم عليها بامتداد أظلال أسمائه وصفاته { ثم الله } القادر المقتدر على كل ما أراد وشاء بالاختيار والاستقلال { ينشىء النشأة الآخرة } المقابلة لنشأة الظهور والإبداع، وهي نشأة الكمون والإخفاء والفناء والإفناء، بأن قبض سبحانه بمقتضى قهره وجلاله جميع ما امتد من أضلال، وطوى نحوه ما نشر من آثار الأوصاف والأسماء { إن الله } المتردي برداء العظمة والكبرياء { على كل شيء } من مقدرواته ومراداته { قدير } [العنكبوت: 20] لا تنتهي قدرته عند مقدور، بل له أن يتصرف فيه كيف شاء ومتى أراد أزلا وأبدا.

ومن كمال قدرته ومقتضى حكمته ومشيئته: { يعذب } من عباده { من يشآء } لا ملجأ لهم دونه ولا مرجع لهم سواه؛ إذ { ويرحم من يشآء } برحمته الواسعة أيضا كذلك على مقتضى لطفه وجماله { و } لا ملجأ لهم دونه ولا مرجع لهم؛ إذ { إليه } لا إلى غيره؛ إذ لا غير في الوجود معه { تقلبون } [العنكبوت: 21] انقلاب الزبد هواء والأمواج ماء.

{ و } إذا ثبت أن منقلبكم إليه ومرجعكم نحوه، فعليكم الإطاعة والإيمان بالله وبوحدانيته طوعا بلا تذبذب وتلعثم؛ إذ { مآ أنتم بمعجزين } على إدراككم وأخذكم { في الأرض } لو تحصنتم فيها { ولا في السمآء } لو تدليتهم إليها؛ إذ الكل في قبضته وقدرته وتحت تصرفه، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء { و } بالجملة: { ما لكم من دون الله } المعيد المبدئ، المحيي المميت { من ولي } يولي أموركم بالاستقلال ويتصرف فيكم بالإرادة والاختيار { ولا نصير } [العنكبوت: 22] ينصركم على أعدائكم ويدفع ضررهم عنكم.

ثم قال سبحانه؛ حثا لهم إلى الإيمان وترغيبا لهم إلى التوحيد والعرفان: { والذين كفروا بآيات الله } الدالة على عظمة ذاته وكما أسمائه وصفاته { ولقآئه } أي: أنكروا بلقائه الموعود لأرباب الكشف والشهود { أولئك } البعداء المطرودون عن ساحة عز القبول هم الذين { يئسوا } وقنطوا { من رحمتي } مع سعتها ووفورها { وأولئك } المردودون في تيه الغفلة والضلال { لهم عذاب أليم } [العنكبوت: 23] في النشأة الأولى والأخرى، لا يرجرى نجاتهم وخلاصهم أصلا.

[29.24-26]

وبعدما بلغ الخليل - صلوات الرحمن وسلام عليه - في الدعوة والإرشاد، وأيده بأنواع المواعظ والتذكيرات والرموز و الإشارات، ونبذ من الوعيدات والإنذارات رجاء أن يتنبهوا منها ويتفطنوا به اعلى ما هو الحق { فما كان جواب قومه } بعد استماعهم مقالاه تفصيلا { إلا أن قالوا } متفقين مجتمعين: { اقتلوه } حدا، فإنه قد أعرض عن دينكم وانصرف عن آلهتكم وشفعاءكم { أو حرقوه } فإنه جدير بالإحراق؛ لعظم جرمه وكبر ذنبه، وبعدما اتفقوا على حرقه أو قدوا نارا عظيمة بحيث لا يمكن التقرب إليها إلا بمسافة بعيدة، فوضعوه في المنجنيق، فرموه بها إليها { فأنجاه الله } الرقيب المطلع على إخلاص عباده وأخلصه { من } حرق { النار } وجعلها له بردا وسلاما { إن في ذلك } الإنجاء والإنقاذ مع أن طبع النار الإحراق والإفناء { لآيات } عظام ودلائل جسام على كمال قدرة الله وحوله وقوته { لقوم يؤمنون } [العنكبوت: 24] بوحدة ذاته وكمال أسمائه وصفاته؛ لأ،هم هم المنتفعون بأمثال هذه الشواهد والبراهين.

وبعدما أنجاه الله منها { و } أيس من إيمان قومه { قال } لهم موبخا عليهم وموعدا لهم بوحي الله وإلهامه: { إنما اتخذتم } وأخذتم { من دون الله } المتوحد بالألوهية والربوبية { أوثانا } آلهة: لتكونوا أسبابا لكم توجب { مودة بينكم } وتوقع المحبة والمؤاخاة بين أظهركم { في الحياة الدنيا } بأن تجتمعوا عندها وتعتكفوا حولها، وتتقربوا إليها بالهدايا والقرابين { ثم } اعلموا أيها الضالون المنهمكون في بحر الغفلة والضلال والجهل بالله وبقدره وقدر حوله وقوته { يوم القيامة } المعدة للعرض والجزاء وحساب ماصدر عنكم في دار الابتلاء { يكفر بعضكم ببعض } يعني: يقع التناكر والتخاصم بينكم، فيكفر بعضكم ببعض { ويلعن بعضكم بعضا } أي: كل منكم ومن معبودكم يتلاعنون ويتخاصمون حال كونكم متبرئين كل منكم عن صحابه تابعا ومتبوعا، عابدا ومعبودا { و } بالجملة: { مأواكم } ومرجعكم إليها أنتم وآلهتكم جميعا، خالدون فيها لا نجاة لكم منها بأعمالكم وأفعالكم { النار وما لكم من ناصرين } [العنكبوت: 25] ليشفعوا لكم وينقذوكم منها بشفاعتهم.

صفحة غير معروفة