455

تفسير الراغب الأصفهاني

محقق

د. هند بنت محمد بن زاهد سردار

الناشر

كلية الدعوة وأصول الدين

مكان النشر

جامعة أم القرى

إذا تشكك أيهما أفضل، أحدث كل واحد منهما مع ضد الآخر أنهما هو المؤثر، فحكمت له مثاله أن من شك في العلم والغنى أيهما أفضل؟ نقول: انظر هل الغنى مع الجهل أفضل؟ أم الفقر مع العلم؟ فإذا علمت أن الفقر مع العلم أفضل من الجهل مع الغنى علمت أن العلم أفضل من الغنى، فإذا ثبت ذلك، فالعبد هو الذي ملك منافعه مدة، والحر هو الذي لم يملك منافعه، والمؤمن هو المستحق للثواب الدائم، والمشرك هو المستحق للعقاب الدائم، فينظر هل من ملك منافعه مدة ثم أثبت دائما أفضل؟ أم من لم يستحق منافعه مدة وتعاقب دائمًا؟ فإذا علمنا أن الأول خير، علمنا أن العبد المؤمن خير من الحر المشرك، ونبه بقوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ أن الاعتبار بإعجابكم، فليس الإعجاب إلا من ثمرة الجهل بحقيقة الشيء والجهل لا يوجب حكمًا، فإذن لا اعتبار بإعجابكم، ونبه ﷿ على تحريم مواصلة المشركين بقوله: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ أي إلى الأفعال الوجبة للنار، وواجب اجتناب الداعي إلى النار الحامل عليها فواجب مجانبتهم إذن، وعلى هذا قال ﵇ " لا تترائى ناراهما "، ثم قال: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ﴾، والداعي إلى الجنة واجب إتباعه، وعلى هذا دل قوله ﷿ حكاية عمن أخبر عنه: ﴿مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾، تدعونني وبإذنه، أي بعلمه وأمره وآياته وحججه ودلائله العقلية والشرعية من أنكم إذا فعلتم ذلك، فأنتم أهل لرجاء التذكر وحقيقة التذكر الاستدراك عن نسيان أو غفلة لما استثبته القلب ..
إن قيل: إلى أي شيء أشار بهذا التذكر؟
قيل: إن الله ﷿ ركز فينا بالفطرة معرفته ومعرفة ألائه، والإنسان باستفادة العلم يتذكر ما ركز فيه، فهذا معنى التذكر وقال قوم: معرفة الله ﷿، ومعرفة الآية تذكر، ومن دفع عن قلبه الأغشية بذكر ما قال الله ﷿ له ودل عليه بقوله ﷿: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية، قالوا: وقد عرفنا الطريق الذي به يتوصل إلى هذا التذكر بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ

1 / 455