الرسائل الأدبية

الناشر

دار ومكتبة الهلال

الإصدار

الثانية

سنة النشر

١٤٢٣ هـ

مكان النشر

بيروت

[مقدمات التحقيق]
(الرسائل الأدبيّة) (رسائل الجاحظ) (تأليف أبي عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الملقّب بالجاحظ المتوفى سنة ٢٥٥ هـ-/ ٨٦٨ م) قدّم لها وبوّبها وشرحها الدّكتور علي أبو ملحم دار ومكتبة الهلال بيروت- صرب ٥٠٠٣/١٥

1 / 3

جميع الحقوق محفوظة للناشر الطبعة الأخيرة ٢٠٠٢ م

1 / 4

مقدمات عامة
هذه احدى وعشرون رسالة من مؤلفات الجاحظ الكثيرة التي ضاع معظمهما ولم يصلنا منها سوى ربع عددها تقريبا. وما وصلنا منها ليس كاملا الا في أقله.
وقد اطلقنا على هذه المجموعة اسم الرسائل الأدبية لا بالمعنى الذي نفهمه اليوم من الأدب، أي ذلك الفن الجميل الذي يغلب عليه الخيال والعاطفة، ولكن بالمعنى الذي فهمه الجاحظ نفسه في قوله «والأدب اما خلق واما رواية، وقد اطلقوا له اسم المؤدب على العموم» (المعلمين) . فالأدب يعني الاخلاق كما يعني رواية العلم او نقله بين الاجيال بواسطة المؤدب او المعلم، والكتاب.
ان الجاحظ لم يكتب ادبا خالصا او صافيا الا فيما ندر. لقد كان رجل فكر في المرتبة الأولى ورجل ادب في المرتبة الثانية. ولقد عبر عن فكره باسلوب أدبي، فجمع بذلك بين الفكر والأدب. ولكن دارسيه المعاصرين اقتصروا على الناحية الادبية عنده ولم يفطنوا او لم يهتموا بالناحية الفكرية وهي الناحية الأهم والغالبة عليه. وهذا ما قمنا به في كتابنا «المناحي الفلسفية عند الجاحظ» .

1 / 5

وتدور هذه الرسائل حول خمسة موضوعات اساسية: فموضوع الاخلاق المحض يغلب على ثلاث رسائل هي «كتمان السر وحفظ اللسان»، و«الحاسد والمحسود»، و«النبل والتنبل وذم الكبر» . ونلفي الجاحظ فيها يحلل هذه الخصال الخلقية تحليلا نفسيا يمتاز بالدقة والعمق، وينطلق من مبدأ خلقي واحد يقول ان الاخلاق طباع في الناس. فهي تولد معهم ويحملونها بالفطرة ولا تكتسب اكتسابا بالتربية والتعليم. وفي هذا يخالف ارسطو والفلاسفة المشائين.
والموضوع الثاني الذي يحتل حيزا كبيرا في هذه المجموعة هو الاجتماع وهو يغلب على رسائل ست هي «مفاخرة الجواري والغلمان» و«تفضيل البطن على الظهر»، و«المعلمين»، و«طبقات المغنين»، و«الوكلاء»، و«مدح التجار وذم عمل السلطان» . في الرسالتين الاوليين يطرق الجاحظ موضوعا يمتزج فيه الاجتماع بالفقه والاخلاق. وهو ظاهرة اللواط التي استشرت في عصره نتيجة الانحلال الخلقي والفساد الاجتماعي والانحراف الجنسي. وفي كل من الرسائل الاربع الباقية يتحدث عن طبقة من طبقات المجتمع في عصره أيضا: عن المعلمين واوضاعهم ونظرة الناس اليهم والدور الخطير الذي يضطلعون به في التربية ونقل الثقافة عبر الاجيال. وعلى المغنين واهمية فن الموسيقى ونشأته وممثليه الكبار. ثم الوكلاء ومدى الثقة التي ينبغي أن نمنحها اياهم. واخيرا التجار وشرف عملهم واشتهار قريش ومنها النبي في التجارة.
والموضوع الثالث الذي يحظى باهتمام الجاحظ هو الفقه. ويعتبر الجاحظ نفسه رجل علم وفقه. وقد طرق هذا الموضوع في ثلاث رسائل هي «الفتيا» و«مدح النبيذ وصفة اهله» و«الشارب والمشروب»، ويذكر الجاحظ في رسالة الفتيا انه الف كتابا يجمع أصول الفقه عند مختلف

1 / 6

المذاهب الفقهية ولكن هذا الكتاب ضاع مع الأسف ولم يصل الينا. ويعتبر علم الفقه مختلفا عن علم الكلام. وفي الرسالتين الاخريين يعالج موضوعا واحدا هو النبيذ، صفاته، وتحليله. وهو يذهب الى انه غير محرم في الشرع لأنه يختلف عن الخمر.
والموضوع الرابع يستقطب ثلاث رسائل هي «البلاغة والايجاز»، و«تفضيل النطق على الصمت»، و«صناعة القواد» وموضوعها الغالب هو فضل الأدب، واهميته في حياة المرء ومفهوم البلاغة وعلاقتها بالايجاز. وهو يرى في رسالة البلاغة والايجاز التي لم يصلنا منها سوى النزر اليسير (صفحتين) ان البلاغة لا تعني الايجاز كما يدعي البيانيون. وقد طرق هذا الموضوع بتوسع في البيان والتبيين والحيوان. ويرى في الرسالة الثانية ان النطق افضل من الصمت على الرغم من حسنات الصمت، وقد عاد الى بحث هذه المسألة في رسائل أخرى مثل التربيع والتدوير، وكتمان السر وحفظ اللسان، كما رجع اليها في صدر كتاب البيان والتبيين. اما «صناعة القواد» فتحث على تعلم جميع الآداب، واغناء الثروة اللغوية، والاطلاع على مختلف فنون الأدب والقول، ليتمكن المرء من التعبير عن جميع ما يجول بخاطره أو يعرض له من الموضوعات. وتتضمن الرسالة نماذج من شعر الجاحظ والفاظا تقنية تخصّ مختلف المهن.
اما الموضوع الخامس والاخير فهو الشؤون الشخصية التي تغلب على ست رسائل هي: «الجد والهزل» و«فصل ما بين العداوة والحسد»، و«رسالة الى ابي الفرج بن نجاح الكاتب»، و«المودة والخلطة»، و«استنجاز الموعد» و«التربيع والتدوير» . في الرسالة الاولى يميط الجاحظ اللثام عن سوء علاقته بالوزير محمد بن عبد الملك الزيات في المرحلة الاخيرة من حياته، ويتذمر من كره الوزير اياه لأنه لم يدفع الاتاوة، كما يشكو من عيب

1 / 7

ابن الزيات اياه بعدم تجليد كتبه وتنظيمها، وتمنيه موته ليرتاح من اعباء الحياة بعد ان طعن في السن. وفي الرسالة الثانية و«فصل ما بين العداوة والحسد» يشكو ابو عثمان من كثرة حساده الذين يطعنون على كتبه أو يسرقونها او ينتحلونها، او يتقاضونه جزءا من ريغها. ويتطرق الى الكلام على الحسد الذي عالجه في رسالة الحاسد والمحسود، ويهتم هنا بتفريقه عن العداوة.
وفي الرسائل الثلاث التالية التي يوجهها الى ابي الفرج بن نجاح الكاتب يسأل الجاحظ ابا الفرج أن يساعده على فاقته فيجري عليه ارزاقا قد انقطعت، ويبدو أنه وعده خيرا ثم لم ينجز وعده، فعاد الى تذكيره بالوعد. ونجد في احداها قصيدة نظمها الجاحظ ولم يعلن عن نسبتها اليه، يمدح فيها ابا الفرج ويستعطفه.
والرسالة الاخيرة التي نلفيها في هذه المجموعة هي «التربيع والتدوير» .
والباعث على كتابتها دافع شخصي هو اعتداد احد الكتاب المدعو احمد بن عبد الوهاب بنفسه وعلمه حتى طاول الجاحظ ذاته. ولما نفد صبره ولم يعد باستطاعته احتماله وضع هذه الرسالة يسخر من قبح جسده، ويصوره تصويرا كاريكاتوريا مضحكا، كما يمتحنه بمائة مسألة يطرحها عليه ويطلب منه الاجابة عليها. وهذه المسائل تحيط بجوانب الثقافة العامة التي عرفها مجتمع الجاحظ وانعكست بجلاء في كتبه العديدة. ولهذا نلقى الجاحظ ينصح ابن عبد الوهاب في آخر الرسالة ان يعمد الى قراءة كتب الجاحظ التي تنطوي على اجوبة على تلك المسائل الطبيعية والكيمياوية والحيوية والتاريخية والجغرافية، والدينية والفنية الخ ...
بقي ان نقول اننا لم نحقق هذه الرسائل لأنها حققت ونشرت مرات عدة (انظر كتابنا «كشاف آثار الجاحظ»، الذي يوضح الطبعات المختلفة.
واصولها، ويحصي كتب الجاحظ) . ولكنا انجزنا ثلاث مهام اساسية كانت

1 / 8

الرسائل بحاجة اليها: المهمة الأولى هي كتابة مقدمة تحليلية لها تبين محتوياتها وقيمتها، والثانية تبويت الرسائل وتصنيفها على اساس موضوعاتها، ووضع عناوين فرعية لفقرها تسهل تناولها وتوضح مطاليبها. والثالثة شرح الرسائل وايضاح الآراء والافكار المنطوية عليها.
وقد اعتمدنا على طبعة عبد السلام هارون الصادرة عن مكتبة الخانجي بمصر سنة ١٩٦٤ م وسنة ١٩٧٩ م، في اربعة اجزاء، بعنوان «رسائل الجاحظ» . واعتمدنا على طبعة حسن السندوبي، الصادرة بمصر عن المطبعة الرحمانية سنة ١٩٣٣ م، في رسالة واحدة هي: التربيع والتدوير، لأنها أكمل من طبعة هارون. وقد اوضح عبد السلام هارون انه رجع في طبعته الى ثلاث مخطوطات هي مخطوطة مكتبة داماد ابراهيم بتركيا رقم ٩٤٩. ومخطوطة المتحف البريطاني رقم ١١٢٩. ومخطوطة المكتبة التيمورية المودعة بدار الكتب المصرية، رقم ١٩.

1 / 9

١- مقدمة كتمان السر وحفظ اللسان
. يوجه الجاحظ كلامه الى شخص لم يسمه ينعته بطيب الاخلاق والاقتراب من الكمال والتمام والفضل، لولا عيبان يعتبرهما القطب الذي تدور عليهما الفضائل ويستحقان العذل والتأنيب وهما افشاء السر ووضع القول في غير موضعه. ويبدو أن هذا الشخص من اصحاب الشأن والمراتب العالية، ومن اصدقاء الجاحظ الذين يهمه أمرهم ويحرص على ارشادهم وتوجيههم، أمثال محمد بن احمد بن ابي دؤاد.
ويرى الجاحظ ان الانسان مطبوع على «اذاعة السر واطلاق اللسان بفضل القول» والذي يحمله على ذلك الهوى وضعف العقل. ولذلك كان من العسير عليه مغالبة هواه وحفظ لسانه وصيانة اسراره، ولن يستطيع ذلك الا بقوة العقل. فمتى قوى عقله لجم هواه وضبطه ومنعه من ارسال الكلام على عواهنه واذاعة ما ينطوي عليه صدره ومن ثم جاءت تسمية العقل بهذا الاسم، فهو بالنسبة للهوى بمثابة الحبل بالنسبة للبعير يقيده ويمنعه من الشرود والضلال.
اما اللسان فلا لوم عليه لانه ليس سوى «اداة مستعملة لا حمد له ولا ذم عليه» والحمد والذم للعقل والحلم.

1 / 11

ان اللسان ترجمان القلب، والقلب خزانة تحفظ الاسرار والخواطر والعلم. والقلب يضيق بما فيه ويستثقله ويستريح الى نبذه واذاعته بواسطة اللسان. وهذا هو السبب في طبع الناس على حب الاخبار والاستخبار، واهتمامهم بالتاريخ واحداثه وتدوينه. وقد سيطرت هذه الغريزة عليهم حتى عسر عليهم الكتمان وغدا من يكتم سره عرضة للسقم والكمد والكرب.
ويروي الجاحظ اخبارا مدهشة في ذلك. فان احد الفقهاء اطلع على اسرار لا يحتملها العامة ضاق صدره بها فذهب الى العراء وحفر حفرة اودعها دنا وراح يختلف على هذا الدن يحدثه بما سمع فيروح عن قلبه. وكان الاعمش، سليمان بن مهران (١٨٨ هـ-) عندما يضيق صدره بما فيه مما لا يريد ان يذيعه بين الناس، يقبل على شاته فيحدثها بالاخبار والفقه.
ويتحدث الجاحظ على مساوىء افشاء الاسرار، فيقول ان صاحب السر يبقى مالكا له حتى يذيعه أو يفلت منه الى اذن واحدة، فسرعان ما يشيع ويدفع الى اذن ثانية فثالثة. وعندئذ يصبح صاحب السر عبدا لمن ائتمنه على سره ورهينة بين يديه.
واذا اساء من اؤتمن على السر حفظ الامانة، ونشره او حرفه ارث الشحناء بين الاقرباء والاصدقاء، والصراع بين الاعداء، وقد يؤدي الى سفك الدماء وازالة النعم والتفرقة.
ويدعو الجاحظ الى سوء الظن بجميع الناس حتى الاهل والعبيد والحاشية والاولاد والعمال. فهؤلاء اكثر الناس اذاعة للاسرار. وعمال الخليفة خاصة يفشون اسراره المشينة. والنمامون مولعون باذاعة الاسرار التي تنتشر على السنتهم انتشار النور في الظلمة.
ومما يدفع الى افشاء السر التحذير من نشره. فاذا اودعنا احدهم سرا

1 / 12

واستعهدناه بعدم اظهاره اغريناه باذاعته لأن كل ممنوع مرغوب. ويفسر الجاحظ رغبة الناس فيما منعوا منه بالطبع الذي يفسر به كل شيء لأنه مبدأه الفلسفي الاساسي. انهم مطبوعون على شهوات عديدة ترغب في الارتواء والاشباع.
فاذا منعت من الحصول على ما يشبعها او يرويها تعلقت به وفتشت عنه ورغبت فيه. فاذا حصلت على مطلوبها واشبعت حاجتها قل قدره عندها وهان عليها وصدفت عنه. هذا هو حال الجائع والشبعان والمحروم من الجماع والمغموس فيه. ولا يشذ عن هذه القاعدة سوى المال والعلم، لأن المال يتخذه البعض لا لقضاء الحاجة بل لقمع الحرص والحرص لا حد له. ولأن العلم لا حد له ولا نهاية وكلما ازداد المرء طلبا ازداد فيه رغبة. ويرى الجاحظ في موقف الناس من المال والعلم خروجا على العقل لأن النهم هو تجاوز القدر.
ان اكثر الامور عرضة لافشاء السر الخبر الرائع والخطب الجليل مثل اسرار الاديان وعقائدها واخبار الملوك والعظماء.
وافشاء السر يمت بصلة الى الغيبة، والغيبة رذيلة خلقية كريهة لانها «خطة جور في الحكم، وسقوط في الهمة، وسخافة في الرأي، ودناءة في القيمة، وكلفة عريضة، وحسد وتعاسة قد استحوذت على هذا العالم وغلبت على طبائعه وتوكدت لسوء العادة عندهم ولعلو الشر على الخير وكثرة الدغل والنغل والحسد في القلوب ...» .
ويحض الجاحظ على العدل في الاحكام لانه لا شيء «احلى مذاقا من العدل، ولا اروح على القلوب من الانصاف، ولا امر من الظلم ولا ابشع من الجور» .
واسباب الظلم هي الشره والحرص المركب في اخلاق الناس ومن ثم

1 / 13