تعريف عام بدين الإسلام
الناشر
دار المنارة للنشر والتوزيع
الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٤٠٩ هـ - ١٩٨٩ م
مكان النشر
جدة - المملكة العربية السعودية
تصانيف
•الدعوة وأصولها
قصة هذا الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
في صدر الطبعات السابقة، فصل عنوانه (قصة هذا الكتاب) أعدت النظر فيه اليوم، فوجدت أني لم أسرد فيه القصة من أولها.
ولعل أول القصة كان أيام الحرب الأولى (حرب سنة ١٩١٤) وهي الأيام التي بلغت فيها سن التمييز، وأدركت ما يحيط بي، فوجدت في بيت أبي دروسًا يلقيها على تلاميذه بعد الفجر، وقبل العشاء، وكانت دروسًا تختلف عن دروس المدرسة التي كنت أذهب إليها، وكان التلاميذ فيها مشايخ بعمائم ولحى، لم يكونوا صغارًا كتلاميذ المدرسة، فكنت أستمع اليها ولو لم أفهمها، كما أستمع الى دروس المدرسة. فكانت دراستي بذلك مزدوجة: درست في المدارس الى نهاية الجامعة، وكنت مع ذلك أتلقى العلم عن العلماء. عن أبي (الشيخ مصطفى الطنطاوي) أولا، وكان من صدور الفقهاء في الشام، وكان أمين الفتوى عند المفتي الشيخ أبي الخير عابدين، فلما توفي ﵀، في شعبان سنة ١٣٤٣ هقرأت على غيره من العلماء (١)
(١) ثم اتصلت بعدد لا أحصيه الآن من العلماء. منهم من قرأت عليه. ومنهم من حضرت دروسه، ومنهم من جلست اليه واستفدت منه، في الشام ومصر والعراق.
من هؤلاء الشيخ بدر الدين الحسني المحدث الأكبر وقرينه السيد محمد بن جعفر الكتاني صاحب الرسالة المستطرفة والشيخين المعمرين الشيخ عبد المحسن الأسطواني والشيخ سليمان الجوخدار ومفتي الشام الشيخ عطا الكسم وخلفه المفتي الشيخ محمد شكري الأسطواني وخلفه المفتي (الطبيب) الشيخ أبو اليسر عابدين والسيد محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر والشيخ عبد المجيد سليم شيخ الجامع الأزهر والشيخ مصطفى عبد الرازق شيخ الجامع الأزهر والشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر. وخالي المؤرخ العالم الكاتب محبّ الدين الخطيب. والمربي الكبير الشيخ أبو الخير الميداني والعالم المحدث الراوية الشيخ صالح التونسي والعالم الأديب السلفي النظار الشيخ محمد بهجة البيطار والعالم الشيخ توفيق الأيوبي والمربي العالم الشيخ أحمد النويلاتي والمفسر الشيخ عبد الله العلمي والعالم الواعظ الشيخ هاشم الخطيب وامامي العربية وشيخي الأدب الأستاذ سليم الجندي والشيخ عبد القادر المبارك وأستاذ الكتاب المؤرخ الكاتب محمد كرد علي منشئ المجمع العلمي في دمشق. والشيخ المصنف الأديب الشيخ عبد القادر المغربي، والأديب الراوية الأستاذ عز الدين التنوخي، والكاتب العبقري الأستاذ معروف الأرناؤوط والأستاذ الحقوقي العالم شاكر الحنبلي والمحامي العالم الأستاذ سعيد محاسن والعالم المصنف الشيخ عبد القادر بدران الحنبلي والعالم المصنف الشيخ محمد الكافي المالكي والفقيه الشيخ نجيب كيوان الحنفي والعلامة الشيخ أمين سويد. والمربي المصنف الشيخ زيد زين العابدين التونسي والمربي الشيخ أحمد النويلاتي، وشيخ علماء العراق الشيخ أمجد الزهاوي والعالم الحقوقي الحاج حمدي الأعظمي العراقي ومفتي بغداد الشيخ قاسم القيسي والفقيه المؤرخ المحدث الشيخ زاهد الكوثري والعلامة الأديب الشيخ البشير الابراهيمي الجزائري والمربي المصلح الشيخ كامل القصاب والشيخ عيد السفرجلاني وجودت القرآن على شيخ قراء الشام الشيخ محمد الحلواني والشيخ عبد الرحيم دبس وزيت وولده شيخنا (وتلميذ والدي) الفقيه الحنفي الشيخ عبد الوهاب والقارئ المبدع الشيخ عبد الله المنجد، وخلق غيرهم كثير أسأل الله لهم الرحمة والغفران، من ذكرت منهم هنا ومن غاب الآن اسمه عن ذاكرتي، وأظن أني لو عددتهم لأربى عددهم على المئة جزاهم الله خيرًا.
1 / 5
فكنت أول من جمع في دمشق بين أسلوبي الدراسة، وكان العلماء يومئذ بين (شيخ) لا يعرف من علوم الدنيا الحديثة شيئا وبين (افندي) لا يفقه من علوم الدين شيئا، الا شيئًا قليلا لا يغني ولا يجزي.
فتنبهت مبكرا الى ضرورة عرض الاسلام بأسلوب عصري وكتبت في ذلك مقالات، ونشرت رسائل، ذكرت منها من نحو خمسين سنة بعض الآراء التي أوردها اليوم، في هذا الكتاب.
1 / 6
ففي كتابي (الاصلاح الديني (١» في الصفحة (١١) منه، عند الكلام على ضرورة التدين، قلت ما نصّه:
"هل يمكن للإنسان أن يعيش بلا دين؟
لا فرق بين هذا السؤال وبين قولك: هل يمكن للإنسان أن يعيش بالمادة وحدها، وينبذ كل ما وراءها حتى نفسه التي بين جنبيْه، وحبّه الذين يجيش به صدره، وشعوره بالطبيعة وجمالها، والطيور وتغريدها، والمقبرة ووحشتها؟ "
وبعد أن تحدثت عن عالم المثل الأفلاطونية، واستشهدت بأقوال (كانْت) و(أوغست كونت) و(باستور) و(نيوتن) و(باسكال) و(مالبرانش) و(هارفي) و(غوليه) و(هوكسلي) ذلك لأني كنت حديث العهد بدراسة الفلسفة وكان مكتوبًا على غلاف الكتاب (بقلم علي الطنطاوي بكالوريوس في الآداب وفي الفلسفة).
قلت بعد ذلك، في الردّ على من يدعّي أن هذا الكون وجد بالمصادفة، ما نصّه: "اذا وضعنا في كيس أربع كرات بيضاء وواحدة حمراء، وسحبنا واحدة منها، كان احتمال خروج الحمراء واحدًا من خمسة، واذا وضعنا تسعًا بيضًا وواحدة حمراء، كان واحدًا من عشر، فلو وضعنا ما لا نهاية له (؟) من البيض كان الاحتمال واحدًا من لا نهاية، ولا يقول عاقل أن الحمراء تخرج حتمًا من السحب مرة أو مرتين أو مئة مرة.
وهذه الكواكب التي لا نهاية لها، ليس لها الا حالة واحدة، تجعلها تسير بهذا النظام، ويمتنع بينها الصدام، فكيف نقول ان هذه الحالة حصلت بالمصادفة من غير مسيّر حكيم عليم؟ ".
...
(١) المطبوع في دمشق سنة ١٣٤٨ هوهو الجزء الأول من (رسائل في سبيل الإصلاح) التي كان لصدورها أصداء، وألفت في الكلام عنها كتب، منها كتاب (الافصاح عن رسائل الاصلاح) للشيخ أحمد الصابوني الحلبي.
1 / 7
هذا ما قلته من نحو خمسين سنة في كتاب لي مطبوع موجود.
ثم صح العزم مني على إصدار كتاب في هذا الموضوع وجعلتُ عنوانه (لماذا أنا مسلم)، وأعددتُ فصوله وأعلنتُ عنه، ونشرتُ مقدمته في رسائل (سيف الاسلام) التي كنت أصدرها سنة ١٣٤٩ هـ (١٩٣٠ م)، ولكن تعذر الطبع وضاعت الأصول ولم يصدر الكتاب.
ولما ذهبتُ الى العراق سنة (١٩٣٦ م) مدرسًا للأدب العربي في الثانوية المركزية في بغداد، وكلفت حينًا بتدريس الدين، جعل الطلاب يسألونني عن كتاب واحد، يفهمون منه الاسلام، لا يريدون كتاب تجويد، ولا كتاب توحيد، ولا كتاب تفسير، ولا فقه ولا أصول، ولا حديث ولا مصطلح، بل كتابًا في الاسلام، يعرضه كما كان رسول الله ﷺ يعرضه، على من يفد عليه من العرب (أو الأعراب) فيفهمونه في يوم واحد، أو في بعض يوم.
فلم أكن أجد مثل هذا الكتاب، فكتبتُ في الرسالة وكنتُ من كتّابها عشرين سنة كاملة من سنة تأسيسها الى سنة احتجابها.
كتبتُ مقالات أدعو فيها العلماء الى تأليف هذا الكتاب، وأعدتُ الدعوة، فما استجاب لها أحد إلا شيخنا الشيخ محمد بهجة البيطار، وإذا رجعتم إلى (الرسالة) وجدتم فيها ما كتب.
...
ومرّت الأيام، ورأيت الطريق الذي كنتُ أسلكه وحدي، أو مع نفر من أمثالي، منذ أربعين سنة (طريق الجمع بين الإلمام بعلوم الدين، والالمام بعلوم الدنيا)، قد كثر بحمد الله سالكوه، وصاروا عشرات، ثم صاروا (بحمد الله مرة ثانية) مئات. ونشأ فيهم من هو أكثر مني علمًا، وأفصح لسانًا، وأكثر إيمانًا، وأفضل في كل شيء، وألّفوا عشرات من الكتب الاسلامية الجيدة ولكن هذا الكتاب لم يؤلف.
وجاءت سنة (١٣٨٧ هـ)، فنشرت مقالة في (مجلة رابطة العالم الاسلامي)، عنوانها (تعريف عام بدين الاسلام) تنبّه لها صديقنا معالي الشيخ
1 / 8
(محمد عمر توفيق)، وزير الحج والأوقاف يومئذ، فكتب للرابطة لتكليفي بتأليف كتاب في هذا الموضوع.
وتنبّه لها صديقنا الشيخ مصطفى العطار، فكتب لمعالي وزير المعارف الشيخ (حسن بن عبد الله آل الشيخ) ووجدت منه، ومن معالي الشيخ عبد الوهاب عبد الواسع (وكان يومئذ وكيل وزارة المعارف) كل التشجيع.
وع م لت الصيف كله، والسنة الجامعية بعده، لكني كنت أدافع الكسل، وأشتغل على ملل، وتجمّعت لديّ ثلاثة ظروف كبار، فيها فصول كاملات، وفيها قصاصات ومذكرات، تحتاج إلى تصنيف، وترتيب، وعمل كثير.
وجاء الصيف الجديد، وذهبت الى عمان، ومن خوفي على هذه الظروف حملتها بيدي، وأذكر أنني خرجت من المطار، ودخلت السيارة لتحملني الى دار زوج بنتي، وهي معي.
وشغلت بمتاعب الانتقال، ومباهج الاستقبال، ولقاء الأصحاب والآل. فلم أذكرها الاّ بعد أسبوعين، فبحثت عنها فلم أجدها، ونفضت الدار نفضًا. وسألت كل سائق سيارة، وراجعت كل مخفر شرطة، فلم أصل الى شيء. وبقيت أيامًا، وأنا ذاهل متألم، لا أهنأ بطعام ولا أستغرق في منام، حتى اذا هدأت نفسي، ورجع لي عقلي، قررت أن أستعين الله وأبدأ من جديد.
وكنت أنزل في ضاحية من عمان: مكتبتي في دمشق، وأوراقي في مكة، وما عندي الا المصحف، فقلت: لعل هذا هو الخير، فما أؤلف هذا الكتاب للفقهاء والعلماء، بل للشبان، أعرّفهم فيه ما الاسلام، وكلما أقللت النقل عن الكتب، وجئت بشيء جديد كان خيرًا لهم.
وباشرت العمل وأنجزت هذا الجزء الأول، وهو جزء العقيدة، في عشرة أيام، وحملت مخطوطته معي إلى مكة.
1 / 9
فطبع أولا في (المدينة) والفضل في طبعه لله، ثم للاستاذ (عثمان حافظ)، ثم نشرته وزارة المعارف الأردنية، في عدد خاص من مجلتها (رسالة المعلم)، وطبعت منه اثني عشر ألف نسخة، وزعتها على جميع المعلمين والمعلمات، في المملكة الأردنية، وكان الفضل في ذلك لله، ثم لمعالي وزير المعارف والأوقاف السابق الدكتور (اسحاق الفرحان) وكان يومئذ مدير دائرة الكتب والمناهج في الوزارة - ولمعالي وزيرها يومئذ الأستاذ بشير الصباغ، وللأخ الدكتور الشيخ ابراهيم زيد الكيلاني، والأخ الأستاذ سليم الرشدان. ثم نشرته وزارة الدفاع الأردنية وكان الفضل في ذلك لمعالي الصديق اللواء (معن أبي نوار) سفير المملكة الآن في لندن، وللصديق أبي أنور العقيد (أحمد العبيدات). وقرأه أفراد الجيش الأردني.
ثم قامت مؤسسة الرسالة في بيروت بطبعه أولًا طبعة رخيصة، ثم عادت فطبعته طبعة أنيقة، فهذه الطبعة التي أقدم لها هذه المقدمة هي في الواقع (الطبعة السادسة) من الكتاب.
أما الجزء الثاني والثالث اللذين أرجو أن أتكلم فيهما عن الاسلام، وعن الاحسان (أي السلوك الاسلامي) فأنا والله في خجل من القراء، وعذري أن القلوب بيد الله، والله هو باعث الهمم، ومنشئ العزائم، وقد والله ضعفت همتي، ووهن العزم مني. ولقد كنت في شبابي في توثب دائم. أكتب وألتمس الناشر، على قلة البضاعة، وضحالة التفكير، والآن حين نضج الفكر، واختمرت المعلومات، وكثر الناشرون، لم أعد أقوى على العمل، فإن ألهم الله واحدًا من القراء ودعا لي بظهر الغيب بأن يسهل الله عليّ كتابة الجزأين، كتبتهما بتوفيق الله وعونه كما كتبت الأول في عشرة أيام.
ولكن متى تجيء هذه الأيام العشرة؟ العلم عند الله.
...
ومن الانصاف أن أذكر أن جماعة من اخواننا قد ألّفوا كتبًا في تلخيص الاسلام، منهم أخي وابن شيخي الأستاذ محمد المبارك، الذي عمل على تدريس هذا التلخيص في الجامعات باسم مادة (نظام الاسلام) وشارك في وضع مناهجه، وألّف فيه كتبًا ثلاثة.
وألّفوا كتبًا في العقيدة، كل كتاب له أسلوب، وله طريقة، منهم أخي الأستاذ محمد القاسمي وأخي الأستاذ الدكتور سعيد ابن الملاّ رمضان البوطي، وأخي الأستاذ عبد الرحمن ابن الشيخ حسن حبنكة حفظه الله وحفظ هؤلاء الاخوان، وقواهم وأمدهم بعونه.
هذا، وأنا أرجو أن ينفع الله بهذا الكتاب، وأن يكون زادًا لي يوم لا زاد الا التقوى وصالح الأعمال. ولقد ذكرت في مقدمة الطبعة السابقة، أني أكتب من نحو خمسين سنة (من سنة ١٣٤٧ هـ) والمطبوع مما كتبت يزيد على أحد عشر ألف صفحة، وان لي أربعين كتابًا ما بين رسالة صغيرة وكتاب كبير،
1 / 10
واني أحاضر في النوادي من سنة (١٣٤٥ هـ) وأتحدث في الاذاعات بلا انقطاع، من يوم أنشئت محطة الشرق الأدنى في يافا، قبل الحرب الثانية، وان لدي الآن أصول أحد عشر كتابًا لا تحتاج الى عمل قليل لتقدم للمطبعة.
وأنا أرضى أن أنزل عن هذا كله، ويوفق الله إلى إكمال هذا الكتاب وإكمال كتاب (ذكريات نصف قرن) الذي أروي فيه خبر ما رأيت وما سمعت، من تبدل الدول، وتحول الأحوال، ومن لقيت من الرجال فلقد شهدت في الشام حكم العثمانيين، وحكم الشريف فيصل، وحكم الفرنسيين، وعهد الاستقلال وما بعده من العهود، وعشت حينًا من عمري في مصر، وفي العراق، وفي لبنان، وفي السعودية، ورحلت الى أقصى المشرق حتى لم يبق بيني وبين (سيدني) في اوستراليا، الاّ مرحلة ساعتين بالطيارة، ورحلتُ الى (فولندام) في أقصى الشمال من هولندا، ورأيت حلوًا ورأيت مرًّا، وذقت الفقر وذقت الغنى، ووجدت الوفاء ووجدت الغدر، وتركت من التلاميذ في سورية والعراق ولبنان والسعودية آلافًا وآلافًا، منهم من صار رئيس جمهورية، ومنهم من بلغ رياسة الوزراء، ومن كان وزيرًا أو قاضيًا كبيرًا، أو موظفًا أو سفيرًا، أو أستاذًا في الجامعة أو مقدمًا في عالم المال والأعمال.
ولقد كنت في عمري كله بعيدًا عن غمرة المجتمع معتزلًا الناس. لكني كنت أرى وأسمع كل شيء ولطالما وقفت مواقف كانت حديث الناس، وكانت حادث الساعة. وكنت فيها ملء الأسماع والأبصار، وكان اسمي فيها على كل لسان.
ولكن ذلك كله مضى، وسيمضي العمر، ويذهب الجاه والمال، كما ذهب الشباب، وينسى الناس كل ما عملت، وعمل غيري، ولا يبقى الا الذي يحمله معه العبد الى آخرته، هذا وحده الذي يبقى وكل ما سواه الى زوال.
1 / 11
فيا رب لا تجعل عملي يذهب سُدى، واكتب لي بفضلك ورحمتك بعض الثواب عليه. اللهم اجعل ما كتبت وما خطبت من العلم النافع الذي لا ينقطع بانقطاع العمر.
اللهم اني استغفرك، وأتوب إليك
وأسألك حسن الخاتمة، والوفاة على الإيمان
مكة المكرمة (اجياد): ٢٣ جمادى الأول ١٣٩٤ هـ
علي الطنطاوي
1 / 12
بين يدي الكتاب
فأي الطريقين تسلك؟
هذه خواطر قدمتها بين يدي الكتاب، وأعددت بها للقارئ الجو الذي يعينه على الدخول فيه.
اذا كنت مسافرًا وحدك فرأيت أمامك مفرق طريقين. طريقا صعبا صاعدا في الجبل، وطريقًا سهلًا منحدرًا إلى السهل. الاول فيه وعورة، وحجارة منثورة، وأشواك وحفر، يصعب تسلقه، ويتعسر السير فيه، ولكن أمامه لوحة نصبتها الحكومة، فيها: ان هذا الطريق على وعورة أوله، وصعوبة سلوكه، هو الطريق الصحيح، الذي يوصل إلى المدينة الكبيرة، والغاية المقصودة.
والثاني معبّد، تظلله الأشجار ذوات الأزهار والثمار، وعلى جانبيه المقاهي (١) والملاهي، فيها كل ما يلذ القلب، ويسر العين، ويشنف (٢) الاذن. ولكن عليه لوحة فيها: انه طريق خطر مهلك، آخره هوة فيها الموت المحقق، والهلاك الأكيد.
فأي الطريقين تسلك؟
لا شك ان النفس تميل إلى السهل دون الصعب، واللذيذ دون المؤلم، وتحب الانطلاق وتكره القيود، هذه فطرة فطرها الله عليها، ولو ترك الانسانُ نفسه وهواها، وانقاد لها، سلك الطريق الثاني، ولكن العقل يتدخل، ويوازن بين اللذة القصيرة الحاضرة يعقبها ألم طويل، والألم العارض المؤقت تكون بعده لذة باقية، فيؤثر الاول.
(١) أقهى: داوم على شرب القهوة.
(٢) الشنف القرط (الحلق) وهذا التعبير هنا على المجاز.
1 / 13
هذا هو مثال طريق الجنة، وطريق النار ..
طريق النار فيه كل ما هو لذيذ ممتع، تميل اليه النفس، بدفع اليه الهوى. فيه النظر إلى الجمال ومفاتنه، فيه الاستجابة للشهوة ولذاتها، فيه أخذ المال من كل طريق، والمال محبوب مرغوب فيه، وفيه الانطلاق والتحرر، والنفوس تحب الحرية والانطلاق، وتكره القيود.
وطريق الجنة فيه المشقات والصعاب. فيه القيود والحدود، فيه مخالفة النفس، ومجانبة الهوى. ولكن عاقبة هذه المشقة المؤقتة في هذا الطريق، اللذة الدائمة في الآخرة، وثمرة اللذة العارضة في طريق النار، الألم المستمر في جهنم. كالتلميذ ليالي الامتحان يتألم حين يترك أهله عاكفين على الراني (١)، يشاهدون ما يسر ويمتع، وينفرد هو بكتبه ودفاتره، فيجد بعد هذا الألم لذة النجاح. وكالمريض يصبر أياما على ألم الحِمية عن أطايب الطعام فينال بعدها سعادة الصحة.
وضع الله الطريقين أمامنا، ووضع فينا ملكة نفرق بها بينهما، نعرف بها الخير من الشر سواء في ذلك العالمُ والجاهل، والكبير والصغير. كل منهم يستريح ضميره اذا عمل الخير، وينزعج اذا أتى الشر. بل ان هذه الملكة موجودة حتى في الحيوان: القط اذا القيت اليه بقطعة اللحم أكلها أمامك، متمهلا مطمئنا، واذا خطفها ذهب بها بعيدًا، فأكلها على عجل، وعينه عليك يخاف أن تلحق به، فتنزعها منه، أفليس معنى هذا أنه أدرك ان اللقمة الاولى حق له، والثانية عدوان منه؟.
أليس هذا تفريقا منه بين الحق والباطل، والحلال والحرام؟.
والكلب اذا عمل حسنا تمسح بصاحبه، كأنه يطلب منه المكافأة. واذا أذنب ذنبا نأى فوقف بعيدًا، يبصبص بذنبه، كأنه يبدي المعذرة أو يتوقع العقاب.
(١) الراني والرائي: كلمتان وضعتهما للتلفزيون، وهما (اسم فاعل) بمعنى (اسم المفعول) على المجاز العقلي، كقوله تعالى: "فهو في عيشة راضية ... "، أي: في عيشة مرضية.
1 / 14