التبصرة
الناشر
دار الكتب العلمية
الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م
مكان النشر
بيروت - لبنان
(إِذَا رَوَاهَا الدَّهْرُ فِي أَبْيَاتِهِ ... طَرَّبَ إِعْجَابًا بِهَا وَلَحَّنَا)
(وَإِنَّ بِهَا وَرْقَاءَ لَيْلٍ غَرَّدَتْ ... مُدَّ إِلَيْهَا كُلُّ غُصْنٍ فَنَّنَا)
كَانَ عُمَرُ بَعْدَ أَعْمَالِهِ الْجَمِيلَةِ يَقُولُ عِنْدَ مَوْتِهِ: الْوَيْلُ لِعُمَرَ إِنْ لَمْ يَغْفِرِ اللَّهُ لَهُ!
وَفِي الصحيحين أنه لما توفي قال علي ﵇: مَا خَلَّفْتُ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ مِنْكَ يَا عُمَرُ.
الْكَلامُ على قوله تعالى
﴿وجوه يومئذ ناعمة﴾ كَانَتْ أَقْدَامُهُمْ فِي الدُّجَى قَائِمَةً، وَعُيُونُهُمْ سَاهِرَةً لا نائمة، وقلوبهم على الطاعات عَازِمَةً، وَهَذِهِ أَفْعَالُ النُّفُوسِ الْحَازِمَةِ، فَوَجَبَتْ لَهُمْ نجاة قطعية جازمة ﴿وجوه يومئذ ناعمة﴾ .
وُجُوهٌ طَالَ مَا غَسَلَتْهَا الدُّمُوعُ، وُجُوهٌ طَالَ مَا أَذَلَّهَا الْخُشُوعُ، وُجُوهٌ أُظْهِرَ عَلَيْهَا لِلاصْفِرَارِ الْجُوعُ، خَاطَرَتْ فِي الْمَهَالِكِ فَأَصْبَحَتْ سَالِمَةً ﴿وُجُوهٌ يومئذ ناعمة﴾ .
وجوه أذعنت إذ عنت ولذت، وُجُوهٌ أَلِفَتِ السُّجُودَ فَمَا مَلَّتْ، وُجُوهٌ تَوَجَّهَتْ إلينا وعن غيرنا تولت، زالت عَنْهَا فَتْرَةُ الْهَجْرِ وَتَجَلَّتْ، فَحَلَّتْ غَانِمَةً.
سَهَرُهُمْ إِلَى الصَّبَاحِ قَدْ أَثَّرَ فِي الْوُجُوهِ الصِّبَاحِ، وَاقْتِنَاعُهُمْ بِالْخُبْزِ الْقِفَارِ وَالْمَاءِ الْقَرَاحِ، قَدْ عَمِلَ فِي الأَجْسَامِ وَالأَشْبَاحِ، وَخَوْفُهُمْ مِنَ اجْتِرَاحِ الْجَنَاحِ قَدْ صَيَّرَهُمْ كَمَقْصُوصِ الْجَنَاحِ، وَعَلَى الْحَقِيقَةِ فَكُلُّ الأَرْوَاحِ مِنَ الْخَوْفِ هَائِمَةٌ.
تَجْرِي دُمُوعُهُمْ فِي الْخُدُودِ كَالْمِيَاهِ فِي الأُخْدُودِ، وَتَعْمَلُ نَارُ الْحَذَرِ في الكبود
1 / 429