التبصرة
الناشر
دار الكتب العلمية
الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م
مكان النشر
بيروت - لبنان
وَفِي صِفَةِ إِرْسَالِ هَذَا السَّيْلِ عَلَيْهِمْ قَوْلانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ عَلَيْهِمْ عَلَى سِكْرِهِمْ دَابَّةً فَنَقَبَتْهُ. رَوَى عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ فَنَقَبَتْ فِيهِ نَقْبًا فَسَالَ ذَلِكَ الْمَاءُ إِلَى مَوْضِعِ غَيْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانُوا يَنْتَفِعُونَ
بِهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ جُرَذًا يُسَمَّى الْخَلْدَ، وَالْخَلْدُ الْفَأْرُ الأَعْمَى، فَنَقَبَهُ مِنْ أَسْفَلِهِ فَأَغْرَقَ اللَّهُ بِهِ جَنَّاتِهِمْ وَخَرَّبَ اللَّهُ بِهِ أَرْضَهُمْ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ مَاءً أَحْمَرَ فَنَسَفَ السَّدَّ وَهَدَمَهُ وَحَفَرَ الْوَادِي. قَالَهُ مُجَاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وبدلناهم بجنتيهم﴾ يَعْنِي اللَّتَيْنِ كَانَتَا تُطْعِمُ الْفَوَاكِهَ ﴿جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أكل خمط﴾ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ وحمزة والكسائي: ﴿أكل﴾ . بِالتَّنْوِينِ وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو ﴿أُكُلِ﴾ بِالإِضَافَةِ. وَالأُكُلُ: الثَّمَرُ. وَفِي الْمُرَادِ بِالْخَمْطِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ الأَرَاكُ. قَالَهُ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَالْجُمْهُورُ. فَعَلَى هَذَا أُكْلُهُ ثَمَرُهُ. وَثَمَرَةُ الأَرَاكِ: الْبَرِيرُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ كُلُّ شَجَرَةٍ ذَاتِ شَوْكٍ. قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ. وَالثَّالِثُ. أَنَّهُ كُلُّ نَبْتٍ قَدْ أَخَذَ طَعْمًا مِنَ الْمَرَارَةِ حَتَّى لا يُمْكِنَ أَكْلُهُ. قَالَهُ الْمُبَرِّدُ وَالزَّجَّاجُ. فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ: الْخَمْطُ: اسْمٌ لِلْمَأْكُولِ.
وَالأَثْلُ: الطَّرْفَاءُ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وقوله تعالى: ﴿وشيء من سدر﴾ وَهُوَ شَجَرُ النَّبْقِ. وَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ الْخَمْطُ وَالأَثْلُ فِي جَنَّتِهِمْ أَكْثَرَ مِنَ السِّدْرِ.
﴿ذَلِكَ جزيناهم بما كفروا﴾ أَيْ ذَلِكَ التَّبْدِيلُ جَزَيْنَاهُمْ بِكُفْرِهِمْ ﴿وَهَلْ نُجَازِي إلا الكفور﴾ قَالَ طَاوُسٌ: الْكَافِرُ يُجَازَى وَلا يُغْفَرُ لَهُ، وَالْمُؤْمِنُ لا يُنَاقَشُ الْحِسَابَ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْمُؤْمِنُ يُجْزَى وَلا يُجَازَى، فَيُقَالُ فِي أَفْصَحِ اللُّغَةِ: جَزَى اللَّهُ الْمُؤْمِنَ وَلا يُقَالُ جَازَاهُ بِمَعْنَى كافأه. والكافر يجازى سيئة مِثْلِهَا مُكَافَأَةً لَهُ، وَالْمُؤْمِنُ يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ.
1 / 325