السيوف المشرقة ومختصر الصواقع المحرقة

محقق

الدكتور مجيد الخليفة

الناشر

مكتبة الإمام البخاري للنشر والتوزيع

الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م

مكان النشر

القاهرة

- بسم الله الرحمن الرحيم -
[مقدمة المؤلف]
الحمد لله الذي أبطل شبه القاصرين عن إدراك اليقين وقطع بما وصل من سلسلة حفظة دينه دابر الكافرين، والصلاة والسلام على من نطق بجوامع الكلم وموجز المقال وبين بمختصر لفظه سائر الأحكام من الحرام والحلال وميز بما جاء به بين أهل الحق وفرق الكفر والضلال، وعلى آله وأصحابه نجوم سماء الهداية ورجوم شياطين الغواية صلاة وسلاما دائمين إلى النهاية.
أما بعد، فيقول الفقير إلى لطف الله تعالى الهادي محمود شكري بن السيد عبد الله بهاء الدين بن العلامة المفسر الشهير أبي الثناء السيد محمود شهاب الدين الحسيني الآلوسي البغدادي: إن أشرف ما يتعاطاه الإنسان ويصرف فيه نفائس الأوقات والأزمان هو الاشتغال بالعلوم الدينية واقتناص شوارد الأحكام الشرعية، سيما ما يتعلق برد شبه أهل البدع والأهواء ويدمغ أم رأس الزائغين عن المحجة البيضاء. ألا وإن أضرهم على الإسلام وأجرأهم في الهجوم على حمى محارم الملك العلام فرق الروافض المتمسكين بكل ما يناقض الدين المحمدي ويعارض، فهم الأولى بإعداد العدد والأحق ممن خالف أهل الحق بما نستمده من كل برهان وسند، فلقد فرقوا عصا المسلمين وأوهنوا الدين المحمدي المبين بدسائس لا تدري اليهود بعشرها وحيل لا تعرف الشياطين على خبثها ومكرها:
لقد جربتهم فرأيت منهم ... خبائث بالمهيمن نستجير
ولقد أصبح اليوم أعراق قطر العراق مملوّة من سم أذنابهم، فلا ينجع فيه ترياق ولا ألف راق، فقد ارتد غالب القبائل والعربان على أعقابهم ورجعوا -والأمر لله تعالى- على أدبارهم، فرفضوا شعائر الإسلام وأهملوا سائر الأحكام واتخذوا بغض أئمة الدين عبادة وصيروا مقت أصحاب سيد المرسلين وسيلة لنيل السعادة وقعدوا عن نصرة إمام المسلمين في الجهاد، بل عدوا ذلك من باطل الاعتقاد.

1 / 35

فلذا ترى أحبارهم ورهبانهم يسرعون إليهم إذا قامت حرب بين المسلمين والكفار، فيعظونهم بالقعود عن نصرة المسلمين وإعانتهم ولو بأقل مقدار. إن سمعوا بنكبة المسلمين كان ذلك أسعد عيد، وإن أخبروا بنصرتهم غشيهم همّ ليس عليه من مزيد. فما أشبه حالهم بما قص تعالى في كتابه من حال إخوانهم اليهود حصب جهنم وحطبها: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾، كل ذلك من إهمال أولي الأمر وعدم المبالاة بهذا الأمر الأمَرّ.
فلم يعيّنوا من يلقن عقائد الدين جهلة الناس وعوام المسلمين ولا من يبين لهم الأحكام ويميز لهم بين الحلال والحرام:
وتراخى الأمر حتى أصحبت ... هملا يطمع فيها من يراها
فإن إزاحة جيوش ظلام الضلال بإيقاد مصباح الهدى والرشاد لا تتيسر من غير مساعدة من ولاه الله تعالى زمام أمور العباد. ومع ذلك إن من وقف على ما انطووا عليه واطلع زيغهم وضلالهم وشبههم فيما ذهبوا إليه ظهر له أنهم ليسوا على شيء وتبين لديه أن ما هم عليه ضلال وغي، فيستمسك المؤمن بعرى دينه ويعض بنواجذه على إيمانه ويقينه.
وقد أُلف في إبطال مذاهب هذه الفرقة السالكة طريق الردى والفئة الزائغة عن منهج الهدى كتب تصدع بالحق وتنطق بالصدق وتقلع أساس الكفر من محله وتستأصل عرق الرفض من أصله. غير أن البعض منها فيه إطناب ممل، والبعض الآخر فيه إيجاز مخل.
ولقد لخصت فيما مضى ترجمة التحفة الاثني عشرية بألفاظ موجزة وعبارات مرضية. وقد ظفرت في هذه الأيام بكتاب الصواقع المحرقة لإخوان الشياطين والزندقة لخاتمة فحول الأنام وشيخ العلماء الأعلام فريد دهره ووحيد عصره: نصير الدين الشيخ

1 / 36

محمد الشهير بخواجة نصر الله الهندي المكي ابن العلامة جامع المعقول والمنقول حادي الفروع والأصول خواجة محمد سميع الشهير بمولانا برخور ولد الحسيني الصديقي، سقى الله ثراه صيب رحمته وأسكنه جل شأنه فسيح جنته. فرأيته كتابا تشد إليه الرواحل وتقطع دونه المنازل. وهو أشبه شيء بالتحفة الاثني عشرية وأوفقها بجميع ما انطوت عليه من كلية وجزئية:
فإن لم يكنها أو تكنه فإنه ... أخوها غذته أمه بلبانها
غير أن فيه بعض زيادات تعد من جمة الإفادات. وكان مفتقرا إلى الإيجاز وتبديل بعض عبارات فيه كالألغاز، حيث أن المؤلف رحمه الله تعالى أدى غالب مقاصده بألفاظ غير مأنوسة الاستعمال وكلمات لا تكاد تعرف إلا بمراجعة كتب اللغة وكملّ الرجال. وقد اشتملت مع ذلك على ذكر حكايات لا تفيد شيئا لدى الخصام والمشاجرات وعلى عبارات لا دخل لها في المقصد ولا تعرض لها في دفع الخصم الألد.
فأحببت أن ألخصها ليعم نفعها وأختصرها كي يسهل أخذها ونقلها. وسميت ما كتبته واختصرته ولخصته "السيوف المشرقة ومختصر الصواقع المحرقة". والله سبحانه الميسر وهو المعين وبه جل شأنه في كل الأمور نستعين.

1 / 37

المقصد الأول في بيان سبب ظهور الرافضة وسبب افتراقهم وعدد فرقهم
وبيان أول من لقب بالشيعة ومدتهم وذكر مكائدهم وغير ذلك مما سيجئ إن شاء الله تعالى في فصول متعددة

1 / 39

الفصل الأول في بيان مبدأ ظهور الرافضة
اعلم أن الله تعالى لما فتح بلاد الكفار من اليهود والنصارى والمجوس وعباد الوثن والنار على أيدي أصحاب رسول الله ﷺ وأيدي من اتبعهم بإحسان رضي الله تعالى عنهم وشرفهم وعظمهم وكرمهم، وهلكت أعداء الله بسيوفهم القاطعة وأسنتهم اللامعة وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله، ذلك بما قدمت أيديهم من معصية خالقهم عز اسمه وجل علاه؛ تستر من تستر منهم بإظهار الإسلام وجعله جنة لرشق مصيب السهام، فأظهروا الانقياد والإيمان وأبطنوا الضلال والكفران، ومع ذلك فهم لم يألوا جهدا في إعداد ما يطفئ نور الله الذي أراد ظهوره، وأنى لهم ذلك ويأبى الله إلا أن يتم نوره. فكان الدين المحمدي إذ ذاك في ترقٍ واستظهار، وكلمة المسلمين غير مختلفة ويدهم واحدة على الكفار، فلم يحصل مراد المنافقين من تشتيت شمل الموحدين، ولم يتيسر لأولئك الأشقياء إلقاء العداوة بينهم والبغضاء، حتى خرج أهل مصر بتقدير العزيز العليم على ثالث الخلفاء ذي النورين عثمان بن عفان المبشر على بلوى تصيبه بجنات النعيم. فانتهز المنافقون إذ ذاك فرصة الظفر بمقاصدهم ونيل أوطارهم ومرادهم فاتبعوا أولئك المارقين، واتفقوا مع الخارجين وحملوا حينئذ على قتل عثمان وسقيه كأس المنون، فقتلوه قاتلهم الله أنى يؤفكون.
فحل بالمسلمين من البلاء ما حل، والأمر كله لله ﷿. وبعد أن استشهد رضي الله تعالى عنه بويع لعلي كرم الله تعالى وجهه بالخلافة، وكان أهلا لذلك، فقد اختاره للإمامة من اختار أسلافه. وقد خرج عليه من خرج وبغى عليه من بغى ممن أخطأ في ذلك المنهج، فسمي حينئذ من تابع الأمير بشيعة علي ذي القدر الخطير، وكانوا على اعتقاد أهل الحق، ثم تابعهم المنافقون ومن خرج على عثمان واختلطوا جميعا وقيل للكل شيعة علي. وكان من جملة المنافقين عبد الله بن سبأ اليماني الصنعاني. وكان أول أمره

1 / 41

يهوديا خبيث النفس، فأظهر للشيعة الذين كانوا على نهج الحق كمال المحبة لعلي وسائر أهل البيت رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وحث المسلمين على ذلك ورغبهم فيما هنالك، وهو يستبطن إضلالهم وتفريق شملهم، حتى تأكد لديهم أنه من المخلصين ومن أجلة المسلمين، وأنه حل عندهم أعلى محل.
ولما تيقن أن قوله لديهم يسمع وأمره مقبول ومطاع وأن خزعبلاته تروج عليهم، ذكر لهم أن أمير المؤمنين أفضل البشر بعد رسول الله ﷺ لأنه أخوه وابن عمه ووصيه وصهره وأولى الناس به، وتلا لهم الآيات الواردة في فضائله وروى الأحاديث الصحيحة والموضوعة في مناقبه. فلما صدقوه بذلك وانطوت عقائدهم على ما هنالك، ألقى على طائفة من هؤلاء الشيعة دسائس أخرى، وهي أن أمير المؤمنين كان وصي النبي ﷺ وخليفته من بعده، وقد نصّ على خلافته وأمر أصحابه باتباعه والاعتراف بإمامته وأوصاهم بإطاعته وأنزل الله تعالى فيه لما تصدق بخاتمه وهو في الصلاة راكعا: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾،

1 / 42

ولكن الصحابة أضاعوا وصيته في وصيّه، ولم يطيعوا الله ورسوله فيما أمروا به، ونبذوا أمر الرسول وراء ظهورهم وارتدوا على أعقابهم إلا أربعة منهم، وعصب أبو بكر وصاحباه حقه وظلموه. فاعتقدوا ذلك حقا وحسبوا هنالك صدقا، فصدق إبليس عليهم ظنه فاتبعوه من دون الله، لا يلتفتون في ذلك لعذل عاذل ولا يصغون لقول قائل ولا يفيدهم الوعظ والزجر ولا ينفعهم الدعاء والذكر. والذكرى تنفع المؤمنين وتفيد الموحدين.
ثم إن ابن سبأ لما رأى من طاعة قومه له ما رأى وحصل له بعض الأماني، قصد أن يظهر مطلوبه ويطلب منهم مراده ومقصوده، فاختلى بطائفة منهم ممن لا يفرق بين القشر واللب ولا يميز بين الغث والسمين، وناجاهم بأنكم قد شاهدتم من خوارق الأمير ما شاهدتم وعلمتم أن ذلك مما لا يمكن صدوره عن بشر، كقلب الأعيان وإحياء الموتى والإخبار عن الغيوب وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك، فما تقولون فيه؟ قالوا أنت أعلم به منا وأبصر بحاله. قال هلموا إلي في الليل أبين لكم رأيي فيه. فلما جاءوه عشاءً قال: يا معشر الأحباب وذوي الألباب، إنكم لتعلمون أنه لا يمكن صدور مثل تلك الأمور إلا من الله، فاعلموا أن عليا هو الإله لا إله إلا هو، وقد سمعت منه أنه يناجي: أنا حي لا يموت، أنا باعث من في القبور، أنا أقيم القيامة! فجذبهم بعنان كذبه وافترائه إلى الكذب والضلال لأنهم كانوا مستعدين لمثل هذا، ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾، وكل ميسر لما خلق له، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾.

1 / 43

وكان ابن سبأ يدعو الناس إلى ما دعى إليه سرا وعلانية، حتى قال هو وأصحابه للأمير شفاها بعد ما رأوا شيئا من خوارقه: أنت الإله حقا، فزجرهم ونهاهم عن ذلك واستتابهم، فأظهروا التوبة، فنفاهم إلى المدائن. فلما استقر ابن سبأ وأصحابه بها شرعوا يغوون الناس ويستميلونهم إلى عقائدهم الخبيثة، ووافقهم جم غفير على القول بألوهية علي رضي الله تعالى عنه، فضلوا ضلالا بعيدا.
وسيّر ابن سبأ دعاته إلى البلاد الدانية والقاصية ليدعوا الناس إليه، حيث لم يكن له عن هذا الأمر دافع ولا صاد.
وافترقت الشيعة حينئذ إلى أربع فرق
الفرقة الأولى المخلصون: وهم الناجية الذين هم أهل السنة والجماعة ما عدا البغاة.
الفرقة الثانية التفضيلية: وهم الذين يفضلون عليا كرم الله تعالى وجهه على كافة أصحاب رسول الله ﷺ.
والثالثة السبئية: وهم الذين يسبون أصحاب رسول الله ﷺ، بل يكفرونهم، وحاشاهم رضي الله تعالى عنهم.
والرابعة الغلاة: وهم الذين يقولون بألوهية علي كرم الله تعالى وجهه.
ثم إنه قد افترق كل من الفرقتين الأخيرتين إلى فرق كثيرة وصاروا طرائق قددا. وسيجيء إن شاء الله تعالى ذكرهم بالتفصيل، ومنه الهداية والتوفيق.

1 / 44

الفصل الثاني في بيان سبب افتراق الرافضة
اعلم أن ابن سبأ لما دعى الناس إلى ما دعاهم إليه من الرفض والضلال، وأجابه من أجابه من الحمقاء، صارت الرافضة فرقتين، وكانت دعاة كل فرقة يدعون الناس إلى مذهبهم. ولما دعى بعض دعاة الفرقة الغلاة إلى مذهبه طائفة من الفرقة السبئية وتبعه منهم من تبعه، وكان فيهم من له أدنى روية وعقلٍ أعرض عنه وشدد عليه النكير، وقال من يأكل ويشرب ويصحّ ويمرض ويجوع ويعرى ويلد ويولد كغيره من الحيوانات أنى يسوغ أن يدعى فيه الألوهية.
فلما أذعن طائفة منهم إلى هذا القول واستشكل عليه الأمر والتبس عليه طريقه، راجع من يعوّل عليه ويقبل قوله لديه، ففكر وقدر ثم قتل كيف قدر، ثم قال له مجيبا: إن الله روح حلّ في علي وهو ليس بإله، وإنما حلّ الإله فيه كما حلّ في عيسى بن مريم واتحد بناسوته. فاستحسنه جماعة من الحمقى وعقدوا قلوبهم عليه. فافترقت فرقة الغلاة إذ ذاك فرقتين: فرقة تقول إن عليا هو الإله، وأخرى تقول بحلول الإله فيه. تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
ثم زاد رؤساء كل فرقة ما دعته له أهواؤهم وأوحته إليهم شياطينهم. فكثرت فرقهم وتشعبت طرقهم. ولما استشهد ريحانة الرسول الإمام الحسين رضي الله تعالى عنه، ومضت برهة من الزمان، نهض كيسان مولى السبط الأكبر يدعو الناس إلى إمامة محمد بن علي بن أبي طالب، لأنه بعد أن جاء مولاه بنفسه لازم صحبة أخيه محمد وأخذ عنه

1 / 45

غرائب العلوم، فلبى دعوته جمع من الفرقة الأولى، منهم مختار بن أبي عبيدة الثقفي، وسمَت نفسه للسلطنة، فادعى أنه استخلفه محمد لطلب ثأر أخيه والجهاد مع أعدائه، إلا أنه قال بإمامة السبطين وكان كيسان ينكرها، ودعى جمعا كثيرا إلى مذهبه فاتبعوه، ولقب أصحابه بالمختارية. وحاربوا معه النواصب من المروانية فهزموهم بإذن الله، واستولى على العراق وديار بكر والأهواز وأذربيجان. ثم اختلفوا في الإمام بعد محمد:
فقال أبو كريب وكان من رؤسائهم: محمد خاتم الأئمة، وقد اختفى من خوف الأعداء وسيظهر بعد حين.
وقال إسحاق منهم: الإمام بعد محمد ابنه أبو هاشم بن حرب، وكان من

1 / 46