دراسات في التصوف
الناشر
دار الإمام المجدد للنشر والتوزيع
رقم الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م
تصانيف
عن داود بن صالح قال:
" قال لي أبو سلمة بن عبد الرحمن: يا ابن أخي، هل تدري في أي شيء نزلت هذه الآية ﴿أصبروا وصابروا ورابطوا﴾؟ قلت: لا، قال: يأبن أخي، لم يكن في زمن رسول الله ﷺ غزو يربط فيه الخيل، ولكنه إنتظار الصلاة بعد الصلاة، فالرباط لجهاد النفس والمقيم في الرباط مرابط مجاهد نفسه. قال الله تعالى ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده﴾ قال عبد الله بن المبارك: هو مجاهدة النفس والهوى وذلك حق الجهاد، وهو الجهاد الأكبر، على ما روى في الخبر أن رسول الله ﷺ قال حين رجع من بعض غزواته: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر). وقيل: إن بعض الصالحين كتب إلى أخ له يستدعيه إلى الغزو فكتب إليه: يا أخي كل الثغور مجتمعة لي في بيت واحد والباب علي مردود، فكتب إليه أخوه: لو كان الناس كلهم لزموا ما لزمته أختلت أمور المسلمين وغلب الكفار، فلا بد من الغزو والجهاد وفكتب إليه: يا أخي، لو لزم الناس ما أنا عليه وقالوا في زواياهم على سجاداتهم: الله أكبر، أنهدم سور قسطنطينية " (١).
هذا وأن هناك أنواعا أخرى من تطرفات المتصوفة في إظهار التواضع والذّل، والرضا بالدون والمسكنة وهوان النفس، والسقوط في أعين الناس، فمن الصوفية المصابين بهذا النوع من التطرف الذي سموه خشوعًا وتواضعًا ورياضة للنفس، أستاذ الجنيد أبو الحسن الكريني كما ينقل عنه أبو طالب المكي وابن عجيبة أنه قال:
" نزلت في محله فعرفت فيها بالصلاح فتشتت قلبي فدخلت حماما في جوف المحلة وعنيت على ثياب فاخرة فسرقتها ولبستها، ثم لبست مرقعتي فوقها وخرجت أمشي قليلا قليلًا ليفطن بي، فلحقوني فنزعوا مرقعتي واستخرجوا الثياب وصفعوني وأوجعوني ضربًا، فصرت أعرف في الناحية بلص الحمام، فسكنت نفسي " (٢).
ويخرج نفسه عن حدّ الكرامة الإنسانية ويجعلها بمنزلة الكلب في حكاية ذكروها
_________
(١) عوارف المعارف للسهروردي ص ١٠٥ ط دار الكتاب العربي بيروت.
(٢) قوت القلوب لأبي طالب المكي ج٢ ص ٧٤، أيضا إيقاظ الهمم لأبن عجيبة ص ٤٠٥.
1 / 65