693

مما يدل على أن المراد في قول الله تعالى: {اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن}[المائدة:5] الآية. ومن اسلم من أهل الكتاب أن قوله تعالى: {اليوم أحل لكم الطيبات} مخاطبا للمسلمين ثم قال تعالى: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} ثم ابتدأ بعد ذلك تحليلا آخر فقال عز قائلا: {وطعامكم حل لهم} ثمعطف عليه قوله: {والمحصنات من المؤمنات} فدل ذلك على أن المحصنات من المؤمنات حل لهم لكون تحليلهن معطوفا على تحليل طعامنا لهم فوجب كون المؤمنات حلالا لهم وهذا لا يصح إلا بعد إسلامهم بالإجماع المعلوم إذ لاخلاف أن نكاح المؤمنات حلالا لهم وهذا لا يصح إلا بعد إسلامهم بالإجماع المعلوم إذ لا خلاف أن نكاح المؤمنات لا يجوز لأهل الذمة مع بقائهم على كفرهم فدل ذلك على أن المراد بقوله تعالى: {أهل الكتاب} في هذه الآية هم الذين اسلموا منهم فكذلك قوله تعالى: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب} اللواتي أسلمن منهم إذ لم يفرق أحد منهم بين الموضعين فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون قوله: {والمحصنات من المؤمنات} راجعا إلى أول الآية حيث يقول: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} دون الذي يليه قيل له : إن جاز لكم ما ادعيتموه مع أنه صرف لترتيب الآية عن ظاهرها جاز لنا أن نقول: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب} راجع إلى الكتابين حتى يكون تقدير الكلام {وطعامكم حل لهم والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب حل لهم} فيكون معناه أن المحصنات من المؤمنات حل للمؤمنين والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب حل للذين أوتوا الكتاب فنكون قد ساويناهم في استعمال هذه الآية لأنا جعلنا قوله تعالى {وطعام الذن أوتوا الكتاب} وقوله تعالى: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب} في حكم المصروف عن الظاهر وهم جعلوا الترتيب والنظام في حكم المصروف عن الظاهر وسلم لنا سائر الأدلة والحمد لله.

(خبر) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا تجوز شهادة ملة على ملة إلا ملة المسلمين فإنها تجوز على الملل كلها)) دل ذلك على إثبات ثلاث ملل لأن أقل الجمع الحقيقي ثلاثة فدل ذلك على صحة مذهب أئمتنا عليهم السلام في أن الكفر ملل مختلفة فإن قيل: إنه أطلق لفظ الملل وأراد ملتين ملة الكفر وملة الإسلام قيل: ها حمل للخطاب على المجاز وعدول عن الحقيقة لغير ما نع وذلك لا يجوز لأنه يجب حمله على السابق منه إلى الإفهام والسابق هو الحقيقة فوجب حمله عليها والملل مأخوذة من الإملال وهو الإملاء والمراد به إملاء الشريعة يقال: أمل الكتاب يعني املأ قال الله تعالى: {أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل}[البقرة:282]، وأصل الملة الدين وهو مشتق مما ذكرناه فإذا ثبت أن ملله مختلفة وجب القضاء بأن مناكحة بعضهم لبعض لا يجوزولا يصح لا ختلاف مللهم دليله على ما بيناه من أن مناكحة المسلمين لأهل الذمة لا يجوز.

صفحة ١٥١