278
الكعبة في الحجر حين قصرت بهم النفقة، وأما قوله ﷺ في حديث عائشة ﵂ المطلق: "ولولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية، فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أُدخِل الحِجرَ في البيت" ... الحديث، فإن حال من قال بأن الحجر كله من البيت لا يخلو من أمرين: إما أن يقول إن النبي ﷺ أشار بقوله هذا إلى إدخال بعض الحجر في البيت، أو جميعه.
فإن قال بالأول: فقد ناقض قوله: إن الحجر كله من البيت.
وإن قال الثاني: ففي صحة ذلك نظر، لأن في رواية البخاري عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم، وأدخلت فيه ما أخرج منه، وجعلت له بابا شرقيا، وبابا غربيا، وبلغت به أساس إبراهيم" ١.
وهذه الرواية تقتضي أن النبي ﷺ يختار رد البيت إلى أساس إبراهيم ﵇ وأساس إبراهيم ﵇ الذي أشار إليه النبي ﷺ: هو الذي أدخلته قريش في الحجر لقصور النفقة عليهم كما سبق بيانه، لأنه لا خلاف بين أهل العلم بالتاريخ أن البيت كان مبنيا في عصر النبي ﷺ على أساس إبراهيم ﵇ من جميع جوانبه، إلا من جهة الحجر كما سبق بيانه فيكون النبي ﷺ أشار بقوله هذا إلى أساس إبراهيم ﵇ الذي أدخلته قريش في الحجر، وهو الأساس الذي بنى عليه ابن الزبير ﵄ كما تقدم في حديث عطاء في صحيح مسلم، وذكره الأزرقي في خبر بناء ابن الزبير للكعبة، لأن فيه فلما هدم ابن الزبير الكعبة وسواها بالأرض كشف عن أساس إبراهيم ﵇ فوجده داخلا في الحجر نحو ستة أذرع وشبر، كأنها أعناق الإبل، آخذ بعضها بعضا كتشبيك الأصابع بعضها ببعض، فحرك الحجر من القواعد فتحرك الأركان كلها، فدعا ابن الزبير خمسين رجلا من وجوه الناس وأشرافهم فأشهدهم على ذلك الأساس ... ثم قال: ثم وضع البناء على ذلك الأساس٢ ... انتهى.
قلت: ويدل لذلك أيضا ما في بعض طرق الأحاديث أي أحاديث عائشة ﵂ المطلقة أن النبي ﷺ أرى عائشة مقدار ما تركته قريش من الكعبة في الحجر ولو كان من البيت لم يكن لإيرائه ﷺ ذلك لعائشة ... ﵂ فائدة، والله أعلم.
واختلاف الروايات عنها في قدر ما في الحجر من الكعبة لا يقتضي ترك العمل بما روي عنها من أن بعض الحجر من البيت، وإنم يقتضي أن يعمل في مقدار ما في الحجر

١ أخرجه البخاري "١٥٨٤".
٢ أخبار مكة للأزرقي ١/ ٢٠٦، ٢٠٧.

1 / 282