406

شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه

قوله: "فصل" النهي هو قول القائل لا تفعل استعلاء أو طلب ترك الفعل أو طلب كف عن الفعل استعلاء، والخلاف في أنه حقيقة في التحريم أو الكراهة أو فيهما اشتراكا لفظيا أو معنويا كما سبق في الأمر، ثم النهي المتعلق بأفعال المكلفين دون اعتقاداتهم إما أن يكون نهيا عن فعل حسي أو شرعي، وكل منهما إما أن يكون مطلقا أو مع قرينة دالة على أن القبح لعينه أو لغيره فالمقصود بيان حكم المطلق، وفسر الشرعي بما يتوقف تحققه على الشرعي والحسي بخلافه، واعترض عليه بأن مثل الصلاة والزكاة والبيع وغير ذلك يتحقق من المكلف من غير توقف على الشرع، وأجيب بأن المستغني عن الشرع هو نفس الفعل، وأما مع وصف كونه عبادة أو عقد مخصوصا يتوقف على شرائط، ويترتب عليه أحكام فلا يتحقق بدون الشرع، ورد بأن المتوقف على الشرع حينئذ هو وصف للشافعي رحمه الله تعالى والبعض بأنه إذا صلى في أول الوقت ثم ارتد ثم أسلم والوقت باق فعليه الأداء خلافا له بناء على أن الخطاب ينعدم بالردة، وصحة ما مضى كانت بناء عليه فبطل ذلك الأداء فإذا أسلم في الوقت، وجب ابتداء، وعنده الخطاب باق فلا يبطل الأداء ، والبعض فرعوه على أن الشرائع ليست من الإيمان

حسا يرتبطان ارتباطا حكميا فيحصل معنى شرعي يكون ملك المشتري أثرا له فذلك المعنى هو البيع حتى إذا وجد الإيجاب، والقبول في غير المحل لا يعتبره الشرع بيعا، وإذا وجد مع الخيار يحكم الشرع بوجود البيع بلا ترتب الملك عليه فيثبت الوجود الشرعي. "فيقتضي القبح لعينه اتفاقا إلا بدليل أن النهي لقبح غيره فهو إن كان وصفا فكالأول لا إن كان مجاورا كقوله تعالى: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} [البقرة:222] وأما عن الشرعيات كالصوم والبيع فعند الشافعي رحمه الله تعالى هو كالأول، وعندنا يقتضي القبح لغيره فيصح ويشرع بأصله إلا بدليل أن النهي للقبح لعينه، ثم إن القبح لعينه باطل اتفاقا" اعلم أن النهي يقتضي القبح، وإنما اخترنا لفظ الاقتضاء لما ذكرنا أن الله تعالى إنما ينهى عن الشيء لقبحه لا أن النهي يثبت القبح، فإن كان النهي عن الحسيات يقتضي القبح لعينه؛ لأن الأصل أن يكون عين المنهي عنه قبيحا لا غيره فقبح عين المنهي عنه إما لقبح جميع أجزائه أو بعض أجزائه، فالقبح لبعض أجزائه داخل في القبح لعينه، فإذا كان الأصل أن يكون قبيحا لعينه لا يصرف عنه إلا إذا دل الدليل على أن النهي عنه لغيره فحينئذ يكون قبيحا لغيره، ثم ذلك الغير إن كان وصفا فحكمه حكم القبيح لعينه، وهو ملحق بالقسم الأول إلا أن القسم الأول حرام لعينه، وهذا حرام لغيره، وإن كان مجاورا لا يلحق بالقسم الأول كقوله تعالى: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} [البقرة:222] دل الدليل على أن النهي عن القربان للمجاور، وهو الأذى حتى إن قربها ووجد العلوق يثبت

...................................................................... ..........................

كونه عبادة ونحو ذلك ففي الحسيات أيضا وصف كون الزنا أو الشرب معصية لا يتحقق إلا بالشرب، ففسره المصنف بما يكون له مع تحققه الحسي تحقق شرعي بأركان وشرائط مخصوصة اعتبرها الشارع بحيث لو انتفى بعضها لم يجعله الشارع ذلك الفعل ولم يحكم بتحققه كالصلاة بلا طهارة والبيع الوارد على ما ليس بمحل، وإن وجد الفعل الحسي من الحركات والسكنات والإيجاب والقبول، وقد يقال إن الفعل إن كان موضوعا في الشرع لحكم مطلوب فشرعي وإلا فحسي.

صفحة ٤٠٥