443

شرح الرسالة الناصحة بالأدلة الواضحة

هذا ظاهر لكل عاقل منصف ؛ لأنهم لو سلكوا مسلك طريقة الناجمة من أهل عصرنا هذا الذي أنكروا فضل العترة الطاهرة، واظهروا للناس أنهم شيعتهم وعلى مذهبهم بزعمهم ، كأنهم لم يعلموا أن إجماعهم -عليهم السلام- منعقد على أنهم أفضل الخلق، وأن الواجب على جميع أهل الملل الرجوع إليهم، والإنقياد لأمرهم، وقد صرح بذلك المرتضى لدين الله محمد بن يحيى في رسائله -صلوات الله عليه- ولا إشكال فيه فيحتاج إلى ذكر مواضعه، فلو كان أصحاب الحسين بن علي بن أبي طالب -رضوان الله عليه- وكان يلقب بأبي عبدالله، على مثل رأي من أنكر فضل أهل البيت -عليهم السلام- في زماننا هذا ما صبروا معه -عليه السلام- للقتلة الكريهة، والمثلة الشنيعة، وبهذا بلغنا عن قوم منهم أنهم متوجعون لقوم من المؤمنين أصيبوا معنا في عجيب([1]) -رحمة الله عليهم- ويتألمون لهم من الشهادة، ويتأسفون على الحياة التي هي جل همتهم، ولها يعملون أنواع الحيل في المآكل والمشارب ، وما حكى الله - تعالى- الحرص على الحياة إلا عن اليهود كما حكى الله عنهم أنهم أحرص الناس على الحياة، وأن أحدهم يود لو يعمر ألف سنة، وأما المؤمنون فالموت عندهم غير كريه وبذلك وصفهم خالد بن الوليد في كتابه إلى الفرس، وهو طويل، قال في آخره: (فإن لم تقبلوا شيئا من ذلك فوالله لآتينكم بقوم يحبون الموت، كما تحبون الحياة والسلم)، وقد علم من حضر ذلك المقام أن الموت كان إلى أولئك الصالحين -رحمهم الله- أحب من الحياة، وأنهم سألونا أن نسأل الله لهم أن يرزقهم الشهادة، واستخرنا الله لنا ولهم، فكان ما كان، وكذلك من حضرنا من جميع الشرق والغرب يعلم علما يقينا من حالنا، أن الموت هناك كان من إرادتنا وأنا ما تأخرنا وبيننا وبين أعداء الله -عز وجل- عربي ينطق بالشهادة فوقع تأخرنا لما انتهى الأمر إلى هذه الحال، رعاية للإسلام ، وحدبا على الدين، ورجاء من الله أن يسد بنا ما انثلم، ويجبر بنا([2]) ما انهاض، ويجعلنا من النقم الكبار على أعدائه، والمنن الجسام على أوليائه، واقتدينا في ذلك بجدنا الهادي -عليه السلام- في يوم أتوه وما يشاكله من الأيام، فنسأل الله -تعالى- التوفيق.

فهذه حال أتباع العترة وأحبائهم([3])، ولقد تأسف كثير من إخواننا -نسأل الله توفيقهم على فوت مثل ما لحق إخوانهم- وتمنوا أنهم رزقوه، ونعم الرزق على الحقيقة ؛ لأن الشهادة ثمن الجنة.

قوله: (وطلبوا لكل أمر عله) كما فعل كثير من أهل عصرنا هذا الذين أنكروا فضل العترة الطاهرة، وزعموا أنهم أولى بالحق منها حتى أن القائم إذا قام قالوا لا نتبعه لأنه لايرى برأينا، وعكسوا في ذلك الواجب، إذ الواجب عليهم الرجوع إلى رأيه، والإنقياد لأمره، وهذا كما ترى رأي الخوارج ؛ لأنهم قاموا على أمير المؤمنين -عليه السلام- ؛ لأنه لم يرجع إلى رأيهم، فعلة الخلاف في هذا قديمة، فالواجب على العاقل التيقظ وترك التقليد، والمناقشة والتفتيش عن أصول البدع لتنجو بترك ما هلك به سواك، وتسعد بما شقي به غيرك، فهذه التجارة المفيدة.

فأما الناجمون في عصرنا هذا الذين لا يوجبون طاعة قائم ، ولا يعدم فيهم له على إظهار كلمة الحق لائم، فهم فتنة كما حكى الله -تعالى- عن أمثالهم بقوله تعالى: {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون(4)}[المنافقون] ، لا يوجبون أمرا بمعروف ولا نهيا عن منكر ، إلا إذا درت معايشهم، وسلموا في أمور دنياهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ونعوذ بالله من سوء الإختيار، وعمل يوجب الخلود في النار.

صفحة ٤٩١