418

شرح المعالم في أصول الفقه

محقق

الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، الشيخ علي محمد معوض

الناشر

عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع

الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م

مكان النشر

بيروت - لبنان

ثُمَّ نَقُولُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ وُجُوبَ مُتَابَعَتِهِ فِي بَعْضِ الأُمُورِ؛ وَهُوَ بَاطِل؛ لأَنَّ ذلِكَ الْبَعْضَ غَيرُ مُبَيَّنٍ فِي هذِهِ الآيَةِ؛ وَحِينَئِذٍ: يَلْزَمُ الإِجْمَالُ وَالتَّعْطِيلُ. أَو المُرَادُ: وُجُوبَ مُتَابَعَتِهِ فِي كُلِّ الأُمُورِ؛ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
===
والاعْتِرَاض عليه:
لا نسلم أنَّه يَلْزَمُ من انْتِفَاءِ دَلالةِ الآية بصريح اللَّفْظِ على التخصيص والتقييد - انْتِفَاؤُهَا مُطْلَقًا؛ لجواز أن يَدُلَّ عليه دَليلٌ منفصل، أو سيَاقُ خطاب، أو دَلالةُ حَالٍ، وقد قال عُلَمَاءُ التَّفْسِيرِ: الخِطَابُ في الآية لمن آمَنَ من اليَهُودِ، ومن تَخَلَّفَ عن رَسُولِ الله ﷺ في غزوة "تَبُوك"، أمرهم اللهُ - تَعَالى - بالكَوْنِ مع المُهَاجِرِينَ والأنصار والصادقين فيما عَاهَدُوا الله عليه من نُصْرَةِ رَسُولِهِ ﷺ والكون معه والثَّبَاتِ، كما وَصَفَهُمْ بذلك ﷾ فقال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]، ويحقق ذلك سِيَاقُ الآيَةِ بِتَوْبِيخ من تَخَلَّفَ عنه، ومَدْحِ من كَانَ مَعَهُ؛ لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ. . .﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠].
ثمَّ لو سلم عَدَمُ الالتفات إلى السَّبَبِ، فلا مَانِعَ من حَمْلِ الآية على الأَمْرِ بالكَوْنِ مع كل من علم صدقه، أو ظن فيما يكتفي فيه بالظَّنِّ، وطَرِيقُ مَعْرِفَةِ ذلك مُوَافَقَتُهُ للحق؛ كما يقال: "اعْرِفِ الحَقَّ تَعْرِفْ أهله".
قوله: "واحْتجَّ المخالِفَ بوجوه: الأول: أن العِلْمَ بأَنَّ هذا القَوْلَ قَوْلٌ لكل الأمة يقتضي العِلْمَ بصفات كُلِّ الأُمَّةِ، والعلم بِصِفَاتِ الشَّيءِ مَشْرُوطٌ بالعلم بِذَاتِهِ؛ فَصَحَّ أن العِلْمَ بأن هذا القَوْلَ قَوْلٌ لكل الأُمَّةِ مَشْرُوطٌ بمعرفة أَشْخَاصِ جَمِيع الأُمَّةِ، ولما كان العِلْمُ الضَّرُورِيُّ حَاصِلًا بِأَنَّا لا نَعْلَم أَشْخَاصَ جميع الأُمَّةِ - اسْتَحَال أن القَوْلَ المخصوص قَوْلٌ لكل الأمَّةِ، لماذا كان العِلْمُ بحصوله مُمْتَنِعًا، امتنع كَوْنُهُ حُجَّةً":
واعلم أن للرادِّينَ للإجْمَاعِ ثَلاثَةَ مَقَامَاتٍ:
المقام الأول: النِّزَاعُ في تَصَوُّرِهِ، قالوا: لا يقع الإجماع في مَوَاقِعِ النُّصُوصِ، فإن فيها غُنْيَةً عنه، ومواقع النَّظَرِ الدواعي فيها مُخْتَلِفَةٌ، وطبقات النَّاظِرِينَ فيها مُتَفَاوتَةٌ، والطباع مَجْبُولَةٌ على الْمُخَالفَةِ؛ ففرض اتفاقهم على مسألة نَظَرِيَّةٍ، كفرض اتِّفَاقِهِمْ على أَكْلِ نَوْعٍ وَاحِدٍ من الطَّعَامِ في وَقْتٍ مُعَيَّنٍ، أو النطق بكلمة وَاحِدَةٍ.
وأُجِيبَ بأن لهم دَاعِيًا إلى الإِجْمَاعِ على الحُكْمِ، وهو النُّصُوصُ الظاهرة، والأَقْيسةُ الجَلِيَّةُ الخَالِيَةُ عن المُعَارَضَةِ، مع اعْتِقَادِ وُجُوبِ العَمَلِ بالظَّنِّ الغَالِبِ، ولا يشترط في انْعِقَادِ الإِجْمَاعِ اتِّفَاقُهُمْ في وَقْتٍ وَاحِدٍ، بل الغالب في مثله ابْتِدارُ الأَذْكِيَاءِ إلَى الوُقُوفِ على المَآخِذِ، وإظْهَارِهَا، فيقف عليها مَنْ لم يَبْلُغْ طَبَقَتَهُمْ، ويتبع ذلك، وتقع المُطَابَقَةُ على تَدْرِيجٍ إلى أن يَحْصُلُ اتِّفَاقُ الجميع، كمُطَابَقَةِ شيعة كل مَذْهَبٍ لإمامهم.

2 / 94