شرح حماسة أبي تمام للفارسي
محقق
د. محمد عثمان علي
الناشر
دار الأوزاعي
الإصدار
الأولى.
مكان النشر
بيروت
مناطق
•إيران
الإمبراطوريات و العصور
السلاجقة (فارس، العراق، سوريا)، ٤٣١-٥٩٠ / ١٠٤٠-١١٩٤
شرح كتاب الحماسة
لأبي القاسم زيد بن على الفارسي
المتوفى سنة ٤٦٧ هـ
دراسة وتحقيق
الدكتور محمد عثمان على
2 / 1
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
رحل أبو تمام حبيب بن أوس الطائي بعد الثلث الأول من القرن الثالث الهجري بعام أو عامين، مخلفا وراءه المئات من القصائد والقطع الشعرية التي أستحق بها عن جدارة وعلو كعب أن يكون زعيم مدرسة في شعرنا العربي، ومخلفا كذلك اختيارات شعرية، كان يختارها من شعر العرب بذوقه ونقده، فجاءت هي الأخرى دالة علي سلامة في الذوق، وبصيرة في النقد حتى قيل: إنه كان فيها «أشعر من شعرة».
وكان أروع اختياراته الشعرية- في نظر القدماء والمعاصرين- ديوان الحماسة الذي ما إن وقع تحت أيدي العلماء ودارسي الأدب حتى أقبلوا علية يوفونه حقه في الدراسة والشرح. بدأ ذلك منهم منذ منتصف القرن الثالث الهجري، وأستمر إلي عصرنا هذا الحديث.
لقد تصدي لشرحه كبار العلماء في مختلف العصور، منهم في القدماء أبو عبد الله النمري، والحسن بن بشر الآمدي، وأبو هلال العسكري وأبو علي المرزوقي، وأبو الفتح عثمان بن جني، وأبو العلاء المعري، وتلميذة أبو زكرياء التبريزي، ومنهم من المعاصرين سيد علي المرصفي، والشيخ إبراهيم الدلجموني، والشيخ محمد الطاهر بن عاشور.
إن احتفال العلماء بديوان الحماسة كان عظيما، دل علي ذلك ما قمنا به من إحصاء لشروحهم، حيث بلغ تتبعنا لها- وفق ما وقفنا علية في المصادر ومكتبات العالم- أربعة وأربعين شرحا عدا الشروح المجهولة النسبة إلى أصحابها.
2 / 3
غير أن هذه الشروح لم تصل إلينا جميعها، ضاع جلها عبر الحقب والقرون، أو علي الأقل لا يعرف مكانها حتى الآن. إن ما وصل إلينا من مخطوطات هذه الشروح يعد ضئيلا بالقياس إلي ما خلفه العلماء من شرح هذا الاختيار، ومع ذلك فإن رحلة فك أسر هذه المخطوطات التي وصلت إلينا وإخراجها للقراء قد سارت بطيئة، بدأت في القرن الماضي عند المستشرق «غيورنغ ولهلم» الذي أخرج شرح التبريزي المتوسط محققا سنة ١٨٢٨ م، ثم تلاه شرح المرزوقي الذي حققته لجنة التأليف والترجمة والنشر بعناية أحمد أمين وعبد السلام هارون في سنة ١٩٥١ م.
ومع قيمة هذين الشرحين من شرح المادة الشعرية التي ضمها ديوان الحماسة، فإن هناك شروحا مخطوطة متناثرة في مكتبات العالم، بعضها فك أسرة بالتحقيق في رسائل جامعية لم تصل بعد إلي أيدي القراء، وبعضها لا يزال ينتظر دورة في خدمة أهل البحث العلمي.
وهذا الشرح الذي نقدم له بهذه الكلمات يعد ثالث شرح من عمل القدماء يخرج للقراء بعد شرحي المرزوقي والتبريزي السالفي الذكر، وهو شرح قام الترجيح علي أنة لأبي القاسم زيد بن علي الفارسي المتوفى بطرابلس الشام عام ٤٦٧ هـ.
لقد كانت دراسة هذا الشرح وما قمنا فيه من تحقيق جزءا من رسالة جامعية تقدمنا بها لنيل درجة الدكتوراه من جامعة القاهرة فرع الخرطوم، وهي رسالة جاءت في كتابين: أحدهما «الموازنة بين شروح حماسة أبي تمام إلي نهاية القرن السادس الهجري» والآخر دراسة ها الشرح وتحقيقه.
وإذا كانت ظروف الطباعة قد أتاحت للكتاب الأول «الموازنة بين الشروح» أن يري النور قبل هذا الكتاب فإن هذا الأخير له من الفضل والقيمة ما يدركه كل قارئ له، ولعل فضلة وقيمتة- بالنظر إلي شرحي المرزوقي والتبريزي المطبوعين- يبدوان من منهج صاحبة، وهو منهج اختصاري تسهيلي يختلف عن منهج المرزوقي «الإبداعي الفني» ومنهج «التجميعي الإنتخابي»، إنه منهج يقدم للقارئ المعلومات المختلفة التي أثارها العلماء السابقون للشارح حول النص
2 / 4
وعناصر شرحه مختصرة موجزة، وفي عرض سهل ميسر ومن ثم كان هذا الشرح أليق بقراء العربية والأدب في زماننا هذا، من حيث إنه زمان موسوم بكثرة الأعباء التي يضطلع بها دارس الأدب والعربية بعامة، من جري وراء العيش، وملاحقة لما تخرجه المطابع من مؤلفات، ومساهمة في قضايا العصر الذي نعيشه، وهي كثيرة لا تحصي، لهذا ولغيرة كان لهذا الشرح المختصر الموجز قيمته بين الشروح ما طبع وما لم يطبع.
وإنني لآمل- وأنا أقدم هذا الشرح لعالم من علماء العربية، تفصلنا عنة قرابة الألف عام إلا عقودا-أن أكون قد قدمت عملا ذا نفع لقراء الأدب والباحثين فيه، ولا أدعي فيه كمالا ولكنة جهد وفرت له من عقلي وحواسي ما حقق له التقدير والإعجاب من أساتذة أجلاء، هم سندي ومفتخري، الأستاذ الدكتور الطاهر أحمد مكي، والأستاذ الدكتور محمد رشدي حسن، والأستاذ الدكتور إبراهيم عبد الرحمن، والأستاذ الدكتور محمود علي مكي، أسبغ الله عليهم جميعا ثوب الصحة والعافية ومنحهم طول العمر حتى ينتفع غيري بهم مثلما انتفعت بعملهم إنه سميع مجيب.
محمد عثمان علي
2 / 5
الفصل الأول: الدراسة
2 / 7
تمهيد:
ينبغي أن ننوه بادئ ذي بدء إلي أن هناك عقبات أربعا تعترض سبيل الدارس لهذا الشرح. أولاها: الاضطراب الذي وقع في نسبته إلي صاحبة. وثانيها: شح المصادر في إيراد المعلومات التي تتصل بأبي القاسم زيد بن علي الفارسي الذي قام الترجيح علي إنه صاحب هذا الشرح. وثالثتها: مخطوطة هذا الشرح، فهي الوحيدة التي عثرنا عليها في بحثنا وتنقيرنا في المكتبات. ورابعتها: ناسخها الذي جاء أسمة في أول المخطوطة وآخرها «ياقوت بن عبد الله»، فقد كشفت الدراسة أنه ليس ياقوت أبن عبد الله الرومي الحموي صاحب معجمي الأدباء والبلدان الذي ذكرت المصادر أنه كان يشتغل بحرفة نسخ الكتب، ولا ياقوت بن عبد الله الموصلي الذي ذكر كل من ياقوت وأبن خلكان أنه كان ينسخ الكتب ويبيعها، وأنه كان متقنا للكتابة علي طريقة أبن البواب.
ووفقا لهذه العقبات رأينا أن تقوم الدراسة في هذا الفصل علي مباحث خمسة نحاول في كل مبحث من المباحث الأربعة الأولي أن نكشف عن كل عقبة منها، وأن نسير بها إلي وضوح وجلاء، ومن ثم خصصنا المبحث الأول لمعالجة العقبة الأولي حيث تناولنا بالدرس والمناقشة توثيق هذا الشرح ورجحان نسبته إلي زيد بن علي الفارسي، أتبعناه بمبحث ثان في دراسة حياته وآثاره محاولين أن نستنطق المصادر التي ترجمت له، وصولا إلي صورة واضحة المعالم عنه.
2 / 9
أما المبحث الثالث: فقد عالجنا فيه المنهج الذي سلكه في الشرح ومصادرة، وقيمة شرحه بالموازنة مع شرحي المرزوقي والتبريزي المطبوعين ومآخذنا علية. وجاء المبحث الرابع: في المخطوطة وناسخها وبيان حقيقة أمرة من خلال استعراض كل من حمل أسم ياقوت بن عبد الله ممن ذكرته المصادر التي رجعنا إليها- أما المبحث الخامس والأخير: فقد عقدناه لتوضيح منهجنا في التحقيق وما قدمناه من خدمة لهذا الشرح.
-١ -
توثيق الشرح
إن أول ما يوجهه الدارس في الشرح هو نسبته إلي زيد بن علي الفارسي، وذلك لأننا نجد في أول الورقة الأولي من مخطوطة هذا الشرح خطأ واضحا وقع فيه الناسخ حيث كتب في العنوان وبخط كبير «كتاب الحماسة، اختيار أبي تمام حبيب أبن أوس الطائي مع شرحه المختصر من إملاء الشيخ أبي علي أحمد بن محمد المرزوقي» ثم نجد في الورقة ذاتها تصحيحا لهذا الخطأ بخط أحد الفضلاء جاء فيه «هذا كتاب شرح الحماسة مما اختاره أبو تمام الطائي من تصانيف الشارح الإمام العالم العلامة زيد بن علي بن عبد الله الفارسي الفسوي. قال أبن عساكر في تاريخ دمشق وأبن العديم في تاريخ حلب: كان عارفا بعلوم كثيرة فاضلا بعلم اللغة والنحو، مات بطرابلس في ذي الحجة أو ذي القعدة سنة سبع وستين وأربعمائة».
والحق أن الذي يقرأ هذا الشرح ويعارضه بشرح الإمام المرزوقي يجد أن فروقا عدة قامت بين الشرحين وتدل دلالة واضحة علي أن هذا الشرح لا صلة له بشرح المرزوقي فهو ليس بمختصر منه كما ذهب الناسخ، فالاختلاف بين في عدة أمور أهمها المنهج وعناصر الشرح والأسلوب والمصادر المعتمد عليها في كل من
2 / 10
الشرحين، هذا أفضل عن الاختلاف في الأبواب، وترتيب القطع الشعرية، وعدد الأبيات في كل قطعة، ورواية الشعر.
فإذا نظرنا إلي المنهج وجدنا أن منهج المرزوقي- كما أوضحناه في كتابنا: شروح حماسة أبي تمام- منهج إبداعي فني أدبي يقوم علي الجهد العقلي والذوق الأدبي في معالجة النصوص بصورة تؤكد المقدرة الفائقة التي يتمتع بها الإمام المرزوقي في استنباط المعاني من خلال محصولاتة الثقافية الواسعة في علوم اللغة والنحو والأدب والبلاغة وهي علوم أضطلع بها المرزوقي وبرزت بوضوح من خلال شرحه.
أما منهج المصنف فهو منهج تعليمي يقوم علي الاختصار والتسهيل وإبراز معني النص في تناول سهل وعبارات ميسرة تميل غالبا إلي الإيجاز، وتدل علي أنه قد قصد بشرحه هذا فئة معينة من المتعلمين، فهو وإن كان قد أتفق مع المرزوقي في أن كلا منهما قد صنع شرحه لغاية تعليمية فإن متلقي شرحه قد كانوا مختلفين عن متلقي شرح المرزوقي، فالمرزوقي صنع شرحه لتلاميذه من بني وهم فئة خاصة، تعد نفسها للإمارة وتريد أن تصقل عقلها ووجدانها بالعلم والأدب لتنال منهما نصيبا وافيا يتناسب والمكانة التي تتطلع إليها في بلاط البويهيين. أما المصنف فالواضح أنه أملي شرحه لتلاميذ من عامة الشعب لا يمتون إلي الإمارة أو السلطان بصلة.
هذا من حيث المنهج، وأما من حيث الشرح فالاختلاف فيها قائم تبعا للمنهج ذاته، وهي، كما رأيناها عند المرزوقي متنوعة، فيها الرواية، وفيها النحو واللغة والبلاغة والنقد، يصول فيها ويجول، في إيجاز تارة وإسهاب تارات أخري. أما المصنف فهو يهتم بالرواية كثيرا، ولكنة قليل الاهتمام بالنحو والبلاغة والنقد، يقصر جهده علي المعاني، يعرضها في إيجاز واضح حتى يخيل إليك وأنت تقرأ شرحه إنه قد جعل الإيجاز مذهبا آلي علي نفسه ألا يفارقه، ولذلك تراه حين يناقش اللغة يناقشها فقط ليبرز المعني الذي يريد إثباته، فهو يخالف المرزوقي الذي كثيرا ما نراه
2 / 11
يفرع الحديث في اللغة داعما شرحه لها بالشواهد من القرآن والشعر.
والدارس للشرحين يستطيع أن يدرك الفروق في عناصر الشرح، وذلك من خلال أي نص من نصوص الحماسة، فمثلا في بيتي أبن زيابة الواردين في الحماسية رقم (٢٢) في شرح المرزوقي (٢٣) في شرح المصنف وهما:
نبئت عمرا غارزا رأسه في سنة يوعد أخواله
وتلك منة غير مأمونة أن يفعل الشيء إذا قاله
نجد المرزوقي يتكلم أولا عن «غارزا» فيقول: جعل غرز الرأس كناية عن الجهل والذهاب عما علية وله من التحفظ، ثم وقف عند النحو فبين العلة النحوية في مجيء هذه الأسماء منصوبة، عمرا، غارزا، رأسه، فنبأ وأنبأ مما يتعدى إلي ثلاثة مفاعيل، فعمرا منصوب علي أنه مفعول ثان، وغارزا علي أنه مفعول ثالث، ورأسه انتصب من «غارزا» ثم أنتقل إلي «سنة» فأفاد بأنها الغفلة، وحددها بأنها ما يحدث من أوائل النوم في العين، ولم يستحكم بعد، ثم وقف عند جانب بلاغي فقال: وهذا من أحسن التشبيه وأبلغ التعريض والإبعاد إذا كان علي ما وصف حقيق بالتهجين يدل علي ذلك قوله:
وسنان أقصده النعاس فرنقت في عينة سنة وليس بنائم
وقد فصل الله تعالي بينهما بقولة: «لا تأخذه سنة ولا نوم» والفعل وسن يوسن وسنا، ثم وضح موضع «يوعد» من الإعراب، فهي في موضع نصب علي الحال، وأخيرا رجع إلي «غارزا» التي بدأ بها حديثة عن البيت، فبين استخدامها في الحقيقة والمجاز حيث أشار إلي أن معني «غارزا رأسه» مدخلا، ومنة الغرز بالإبر. ويقال: «غرز فلان رجلة في الغرز أي في الركاب، وتوسعوا حتى قالوا: إغترز فلان في ركاب القول.
ثم أنتقل إلي البيت الثاني فبين الشاعر منة وهو التهكم والسخرية قال: وفي طريقته قول الآخر:
وأما أخو قرط فلست بساخر فقولا ألا يا اسلم بمرة سالما
2 / 12
قال هذا ومرة معرض لكل بلاء، قم وقف عند النحو فوضح موضع «أن يفعل» من الإعراب قال: موضعه علي البدل من قولة: «وتلك منة» ثم أنتهي إلي المعني وهو «تلك الخصلة لا يؤمن وقوعها من عمرو وهو فعلة لما يقوله».
أما المصنف فقد كان عملة في البيتين علي النحو التالي: قال: «غارزا رأسه» راكبا رأسه، في سنة أي في غفلة، وتلك منه غير مأمونة، يستهزئ به أي لا يقدر علي ذلك، لأنة أضعف من أن يفي بما يتوعد به، المعني: يصف بلوغه وعيد عمرو وأخواله، وهذا الشعار من جملة أخواله، أي خبرت أن عمرا توعدنا، ثم دل علي قلة اكتراثه به، وأنه إذا قال شيئا لم يف به».
وواضح أن المصنف كان همة في البيتين مقصورا علي المعني، يشرح المفردات التي يري ضرورة توضيحها، ثم يعمد إلي مجمل فيورده، فهو لا يشغل نفسه بالنحو، ولا البلاغة، وهو حين يتعرض للغة فإنما يتعرض لها من حيث المعني المراد من اللفظ في البيت غير ملتفت إلي توضيح استخدام اللفظ في الحقيقة والمجاز كما فعل المرزوقي، ولا متم شرحه بشواهد تدعم ما صورة من معان للغة.
كذلك يمكن أن تلحظ هذه الفروق في العناصر في بيتي عمرو بن كلثوم الواردين في الحماسية (١٦٠) في الشرحين معا، وهما:
فما أبقت الأيام ملمال عندنا سوي جذم أذواد محذفة النسل
ثلاثة أثلاث فأثمان خلينا وأقواتنا وما نسوق إلي العقل
نجد المرزوقي يقف عن كلمة «الأيام» فيفسرها بالوقعات، ثم ينتقل إلي «ملمال» فيقول: أراد من المال فجعل الحذف بدلا من الإدغام لما ألتقي بالنون واللام حرفان متقابلان، الأول متحرك والثاني ساكن لازما، ثم صور معني البيت الأول فقال: «ما بقي تأثير الحوادث ونكبات الأيام عندنا من أصول المال ومقتنياتها إلا بقايا أذواد قطع الضر نسلها، وتمكن الهزال وسؤ الحال منها، فهي علي شرف فناء
2 / 13