شرح أدب الكاتب

الناشر

دار الكتاب العربي

مكان النشر

بيروت

بسم الله الرحمن الرحيم
قال العلامة أبو منصور موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر الجواليقي ﵀ بلغنا عن النبي ﷺ أنه قال " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع " فالحمد لله بادئ بدء على نعمه التي لا ينفدها عدو لا يحصرها حد حمدا يخلد على الأبد ويدوم به المستند ويميل منتهى رضاه ويوجب المزيد من نعماه وصلى الله على سيدنا محمد نبي الرحمة وسراج الأمة وعلى آله وأصحابه المنتخبين وعترته الطيبين الطاهرين.
وبعد فإنه سألني جماعة من أهل العلم أن أذكر لهم من شرح خطبة أدب الكاتب لأبي محمد عبد الله بن مسلم قتيبة الدينوري ﵀ وتفسير أبياته وإيضاح مشكلاته وتبيين ما رد عليه فيه ما لا تسع جهالته ولا تسيم إطالته فأجبتهم إلى ذلك وبالله أستعين فيما نحوته وأتوكل عليه فيما عزوته وأسأله التوفيق في القول والعمل وأعوذ به من الخطل والزلل وهو حسبنا ونعم الوكيل.
قال أبو محمد " أما بعد حمد الله بجميع محامده والثناء عليه بما هو أهله والصلاة على رسوله المصطفى ".
أما حرف تفصل به الجمل سمعت قائلا قال فلان كريم عاقل فقيه فيقال له على طريق إثبات بعض هذه الصفات ونفى بعضها أما كريم فكريم وأما عاقل فعاقل أي هذه الصفات هي الثابتة وفيما بقى شك وفيها معنى الشرط ولا بد لها من الجواب بالفاء لتضمنها معنى الشرط كقولك " أما زيد فمنطلق وأما عمرو فذاهب " فزيد وعمرو مرفوعان بالابتداء وموضعهما بعد الفاء ومنطلق وذاهب خبر الابتداء وتقديره

1 / 15

مهما يكن من شيء فزيد منطلق فحذفت هذه الجملة استغناء بأما عنها وعوضت من الحذف عمل ما بعد الفاء قبلها إذا قلت أما زيدًا فضربت لأن الفاء وسائر حروف العطف لا يعمل ما بعدها فيما قبلها وإنما لزم تقديم الاسم في قولك أما زيد فمنطلق لأن أما نائبة من حرف الجزاء والفعل المجازي به ولا بد للفعل من فاعل فلذلك وليتها الأسماء دون الأفعال. وبعد منصوب على الظرف وهو معرب لإضافته إلى الحمد والعامل فيه ما في أما من معنى الفعل والتقدير مهما يكن من شيء بعد حمد الله وإن شئت كان العامل فيه ما بعد الفاء بتقدير فإني رأيت بعد حمد الله أكثر أهل. وجاز تقديمه لأنه ظرف والظروف يتسع فيها. وقبل وبعد معربتان بالنصب والجر إذا كانتا مضافتين أو نكرتين فإن قطعتهما عن الإضافة بنيتهما على الضم لأن الفتح والكسر يكون فيهما إعرابًا وإنما استحقا البناء لأن معناهما يفهم بالإضافة فلما دلتا مفردتين على ما تدلان عليه مضافتين بنيتا لخروجهما عن بابهما ومفارقتهما. طريقتهما فإن نكرتهما أعربتهما لزوال العلة التي أوجبت لهما البناء فتقول جئت قبلا وبعدا ومن قبل ومن بعد ويسميهما النحويون في حال الحذف غاية لأن نهاية لأن الكلمتين ما أضيفتا إليه فلما حذف المضاف إليه صار آخر كل واحدة منهما غاية لها. وحمد مصدر حمدت أحمد حمدًا ومحمدة ومحمدة وهو أعم من الشر لأن الحمد الثناء على الرجل بما فيه من حسن والشكر الثناء عليه بمعروف أولاه والمحامد جمع محمدة ومحمدة وهي أيادي الله ونعمه. والثناء بتقديم الثاء ممدود تكرير الحمد ولا يكون في الذم وهو فعال من ثنيت تقول منه أثنيت على الرجال أثناء حسنًا والثناء الاسم وربما استعمل في الشر قال زهير:
سيأتي آل حصن حيث كانوا ... من الكلمات ما في ثناء
وقال الأعشى
وإن عتاق الخيل سوف يزوركم ... ثناء على أعجازهن معلق
ولقائل أن يقول إنما سمى الذم ثناء في هذين البيتين على سبيل التهكم والهزء ويقال أن الأعشى أراد المدح الذي يحدين به والحادي من ورائها كما ان الهادي أمامها. وأما النثا بتقديم النون والقصر فهو الخبر يكون في الخير والشر والفعل

1 / 16

منه نثا ينثو وفي صفة مجلس رسول الله ﷺ لا تنثى فلتاته ولا تلتفت إلى قول لا يصرف منه فعل وقال بعض أهل اللغة الثناء يكون في الخير والشر والنثا لا يكون إلا في الذكر الجميل والقول هو الأول. وقوله " بما هو أهله " أي بالمدح الذي يؤنس بأنه له ويستحقه وكذلك قوله تعالى " هو أهل التقوى وأهل المغفرة " أي يؤنس باتقاء عقابه ويؤنس بالعمل المؤدي إلى مغفرته أي لا ينفر عن التقوى. قال اليزيدي أنست به واستأنست وأهلت به بمعنى واحد. ومنه يقال أهل الرجل إذا تزوج للأنس الذي بين الزوجين. والصلاة في اللغة الدعاء وسمى ما تعبدنا الله به صلاة لأن المصلي يدعو في صلاته والعرب تسمى الشيء إذا تعلق به أو جاوزه أو كان منه بسبب ومن ذلك الصلاة على الميت إنما هي الدعاء له وقال الزجاج الأصل في الصلاة اللزوم يقال قد صلى واصطلى إذا لزم ومن هذا هو يصلى في النار أي يلزمها قال وقال أهل اللغة في الصلاة أنها من الصلوين وهما مكتنفا الذنب من الناقة وغيرها وأول موصل الفخذين من الإنسان فكأنهما في الحقيقة مكتنفا العصعص قال والقول عندي هو الأول إنما الصلاة لزوم ما فرض الله والصلاة من أعظم الفرض الذي أمر بلزومه وقيل سميت صلاة من صليت العود إذا لينته لأن المصلي يلين ويخشع والصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة دعاء واستغفار ومن الناس التي فيها الركوع والسجود قال الأعشى في أن الصلاة الدعاء.
تقول بنتي وقد قربت مرتحلا ... يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا
عليك مثل الذي صليت فاغتمضي ... نومًا فإن لجنب المرء مضطجعا
وقال: وصلى على دنها وارتسم أي دعا لها بالبركة وتكون الصلاة كنيسة اليهود وأنشد ابن الأنباري.
اتق الله والصلاة فدعها ... إن في الصوم والصلاة فسادا
أراد بالصلاة ما ذكرت والصوم ذرق الظليم. والرسول قال ابن الأنباري سمي رسولا لأنه يتابع أخبار الذي بعثه أخذ من قولهم جاءت الإبل رسلًا أي متتابعة.

1 / 17

وقيل سمى رسول لأنه ذو رسالة وهو فعول في معنى مفعل من أوزان المبالغة كضروب لمن كثر من الضرب. والرسول في غير هذا الموضع بمعنى الرسالة قال الزجاج في قوله تعالى " إنا رسول رب العالمين " معناه إنا رسالة رب العالمين أي ذو رسالة رب العالمين. وقال كثيّر
لقد كذب الواشون ما بحت عندهم ... بسرّ ولا أرسلتهم برسول
أي برسالة.
والمصطفى المختار وهو مفتعل من الصفوة ومن الصفو وهو ضد الكدر وقلبت التاء طاء لتوافق الصاد في الأطباق وأصله مصتفو فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها. وآل الرجل أشياعه وأتباعه أهل ملته وآل الأنبياء من كان على دينهم وقد يقع الآل مكان الأهل وأصل آل أهل لأنك تقول في تصغيره أهيل والتصغير يرد الشيء إلى أصله فأبدلوا الهاء همزة كما أبدلوا الهمزة هاء في هرقت الماء وهياك والأصل أرقت وإياك والآل في غير هذا الموضع الشخص والآل الذي يرفع الشخوص وقوله " فأني رأيت أكثر أهل زماننا عن سبيل الآدب ناكبين ومن اسمه متطيرين ولأهله هاجرين " رأيت هنا بمعنى علمت وهي تتعدى إلى مفعولين لا يقتصر على أحدهما قال الشاعر:
تقوه أيها الفتيان إني ... رأيت الله قد غلب الجدودا
رأيت الله أكبر كل شيء ... محاولة وأكثره جنودا
وتستعمل رأيت بمعنى الإحساس بالبصر تقول رأيت زيدًا أي أبصرته فتتعدى إلى مفعول واحد وقد ترد متعديه إلى مفعول واحد فقط وذلك من أفعال القلوب والمعنى فيها الرأي والاعتقاد وعلى هذا قالت العرب فلان يرى التحكيم قال ابن برهان وعليه تأول أبو يوسف قوله تعالى " بما أراك الله " التقدير بما أراكه الله ولو كان أراك بمعنى أعلمك مع كونه من أفعال القلوب لوجب أن يتعدى إلى ثلاثة مفعولين الثالث هو الثاني ولا يصح حذف المفعول الثالث ولا يصح في هذه الآية حذف مفعول به ثالث. والسبيل الطريق تذكر وتؤنث وجمعها سبل قال الله تعالى " قل هذه سبيلي " وقال ﷿ " وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا ".

1 / 18

والأدب الذي كانت تعرفه هو ما يحسن من الأخلاق وفعل المكارم مثل ترك السفه وبذل المجهود وحسن اللقاء قال الغنوي.
كأنه ينكر على نفسه أن يعطيه الناس ولا يعطيهم. واصطلح الناس بعد الإسلام بمدة طويلة على أن يسموا العالم بالنحو والشعر وعلوم العرب أدبيًا ويسمون هذه العلوم الآدب وذلك كلام مولد لأن هذه العلوم حدثت في الإسلام. واشتقاقه من شيئين يجوز أن يكون من الآدب وهو العجب ومن الآدب مصدر قولك أدب فلان القوم يأدبهم أدبًا إذا دعاهم طرفة.
نحن في المشتاة ندعو الجفلى ... لا ترى الآدب فينا ينتقر
فإذا كان من الآدب الذي هو العجب فكأنه الشيء الذي يعجب منه لحسنه ولأن صاحبه الرجل الذي يعجب منه لفضله وإذا كان من الآدب الذي هو الدعاء فكأنه الشيء الذي يدعو الناس إلى المحامد والفضل وينهاهم عن المقابح والجهل. والفعل منه أدبت آدب أدبًا حسنًا وأنا أديب. و" ناكبين " عادلين والناكب العادل عن الطريق وإنما قيل للعادل عن الشيء ناكب لأنه يوليه منكبه وقالوا للريح العادلة عن مهاب الرياح الأربع نكباء ونكب ينكب نكابة إذا كان عريفًا ونكب ينكب إذا اشتكى منكبه. " ومن اسمه " قال أوب على نون من تحرك بالكسر لالتقاء الساكنين إذا دخلت عليها همزة الوصل قال سيبويه وقد فتح قوم فصحاء فقالوا من ابنك وقالوا عن الرجل فلم يفتحوا كما فتحوا نون من لأنه لم تتوال فيه كسرتان فان دخلت على اسم فيه لام التعريف فتحت نونها نحو من القوم ولم يجيزوا الكسر إلا شاذا وأصل التحريك لالتقاء الساكنين الكسر من بين سائر الحركات وإنما خص به لأن ما يحرك لالتقاء الساكنين فحركته للبناء دون الإعراب ألا ترى أنك تجد في الكلام قبيلين يعربان ولا جر فيمها أحدهما الفعل المضارع والثاني باب مالا ينصرف فلما كانت الكسرة أقل الحركات تصرفا في الإعراب كانت أبعدها منه وإذا كانت أبعدها من الأعراب كانت أقربها إلى البناء فلما احتاجوا إلى إزالة التقاء الساكنين آثروا ما هو أذهب في مناسبة البناء. واشتقاق الاسم من السمو في قول البصريين وهو الصحيح لأنك في الجمع والتصغير ترد اللام المحذوفة تقول أسماء وسمى ولو كان من السمة لقيل أوسام ووسيم فدل على أن من سما يسمو وأيضًا فإنه لا يعرف فيما حذفت فاؤه شيء تدخله ألف الوصل إنما تدخله هاء التأنيث كالزنة والعدة وأصله سمو وأسماء كحنو وأحناء وفيه خمس لغات اسم واسم وسم وسم وسمى كهدى فمن ضم السين قال هو من سما يسمو ومن كسرها قال هو من سمى

1 / 19

يسمى وحذف آخره وسكن أوله اعتلالا على غير قياس ودخلته همزة الوصل لسكون أوله وقيل لحقته همزة الوصل عوضًا من النقص الذي دخله. وقوله متطرين أي متشائمين لنفور طباعهم عنه والطائر والطير الشؤم وأصل ذلك من الطير لأن العرب كان من شأنها عيافة الطير وزجرها والتشاؤم ببارحها وهو ما أخذ منها ذات اليسار إذا أثاروها وبنعيق غربانها قسموا الشؤم طيرا وطائرا وطيرة لتشؤمهم بها هذا هو الصحيح والطيرة في الشر والفأل في الخير والزجر يجمعهما والزاجر الذي يزجر الطير والوحش فيستخرج الطيرة والفأل. " ولأهله هاجرين " الهاجر القاطع يقال هجرته هجرًا وهجرة وهجرانا إذا قطعته وسمى المهاجرون من أصحاب رسول الله ﷺ لأنهم هجروا أوطانهم إلى مستقره ﵇ ومنه سميت الهاجرة وهي انتصاف النهار أما لانقطاعها عن وقت البرد وطيب الهواء أو لأنه يهجر السير فيها أي يقطع.
وقوله " أما الناشئ منهم فراغب عن التعليم والشادي تارك للازدياد والتأدب في عنفوان الشباب ناس أو متناسٍ ليدخل في جملة المجدودين ويخرج عن جملة المحدودين ".
الناشئ الحدث الشاب حين نشأ أي ابتدأ في الارتفاع عن حد الصبى إلى الإدراك أو قرب منه يقال للشاب والشابة إذا كانا كذاك وهم النشا مثل خادم وخدم قال نصيب:
ولولا أن يقال صبا نصيب ... لقلت بنفسي النشأ الصغار
والفعل منه نشأ ينشا نشأ ونشأة ونشاءة قال الفراء العرب تقول هؤلاء نشء صدق فإذا طرحوا الهمزة قالوا هؤلاء نشو صدق ورأيت نشا صدق ومررت بنشء صدق. وأجود من ذلك حذف الواو والألف والياء لأن قولهم يسل أكثر من قولهم يسأل. وقوله " راغب عن التعليم " أي زاهد فيه صادف عنه لما يرى من قلة رغبة من فوقه. " والشادي " الذي قد شدا شيئًا من العلم أي أخذ منه طرفا وتعلمه شدا يشدو شدوا. والشادي في غير الموضع المغني. وكأن الشادي المبتدئ بالأخذ من الشيء. والمتأدب الذي قد أخذ من الآدب بحظ وهو متفعل من الآدب يقال منه أدب الرجل يأدب إذا صار أديبًا مثل كرم يكرم إذا صار كريمًا. وعنفوان الشباب أوله وجدته وكذلك عنفوان البنات وكل شيء أوله ومثل عنفوان الشباب ريعانه وريقه بالتشديد والتخفيف وجنه وسكراته واصطمته وشرخه وربانه كله أوله.

1 / 20

وقوله ناس أو متناس الناسي الذي طبعه النسيان ولا يحفظ وإن تعمل للحفظ يقال منه نسي ينسى نسيانا والمتناسي الذي يتهيأ له أن يحفظ ولا يحفظ وهو الذي يتعمد النسيان يقال منه تناسى ويتناسى وتناسيًا وقيل هو الذي يظهر النسيان كالمتجاهل والمتعاقل. ليدخل في جملة المجدودين المجدودون المحظوظون يقال منه جد الرجل فهو مجدود ما تقول حظ فهو محظوظ وفلان جد حظ وجدي حظي وجديد حظيظ إذا كان ذا جد وحظ والجد بفتح الجيم الحظ هنا وهو أيضًا القطع وأب الأب وأبو الأم والعظمة. والجد بالكسر ضد الهزل والاجتهاد في العمل والجد بالضم البئر الجيدة الموضع من الكلأ. " ويخرج عن جملة المحدودين " المحدودون المحرومون كأنهم منعوا الرزق وأصل الحد المنع ومنه سمى البواب حدادًا لمنعه الناس من الدخول وسمى حد السارق حدًا لمنعه إياه من المعاودة. وأراد بالمحدودين العلماء وقيل لبعض الحكماء لم لا يجتمع العلم والمال فقال لعدم الكمال وقال إبراهيم بن شكلة:
مع أنني واجد في الناس واحدة ... الرزق أروغ شيء عن ذوي الأدب
وقوله " فالعلماء مغمورون وبكثرة الجهل مقموعون حين خوى نجم الخير وكسدت سوق البر وبارت بضائع أهله ".
وأحد العلماء عالم كشاعر وشعراء ويكون وأحدهم عليما ككريم وكرماء وظريف وظرفاء. والمغمور الخامل وهو مأخوذ من الغمر وهو الماء الكثير وأصله التغطية فكأن المغمور الذي قد غشيه ماء كثير فغطاه وهو ههنا الذي غمر بجهل الناس فلا يعرف. والغمير نبت صغير في أصل الكبير كأنه غمره. والغمر الذي لم يجرب الأمور لغلبة الجهل عليه والغمر الحقد منه أيضًا. وكرة الجهل دولته ورجوعه قال الله تعالى " ثم رددنا لكم الكرة عليهم " أي الدولة والفعل منه كريكر كرًا إذا عطف ورجع بضم الكاف من المستقبل وما كان من فعل ومضاعفا غير متعد فعين مستقبله في الأكثر مكسورة نحو عف يعف وخف يخف وما كان متعديًا فيفعل منه مضموم كمد يمد ورد يرد إلا أحرفا جاءت بالوجهين وهي شده يشده ويشده وعله يعله ويعله إذا سقاه ثانيا ونم الحديث ينمه وينمه وهره يهره ويهره كرهه وبته يبته ويبته قطعه وأضني الأمر يؤضني ويئضني إذا أضطرك ومن قال حببته فمضارعه

1 / 21

أحبه بالكسر. والجهل ضد العلم وأصله من الطيش والخفة فحقيقة الجهل خفة تصيب الإنسان استجهلت فلانا إذا استخففته حتى تنزيه واستجهل هو أي أنتقل من حد العلم إلى الجهل كما تقول استنوق الجمل واستتيست الشاة قال الشاعر:
هيهات قد سفخت أمية رأيها ... واستجهلت حلماؤها سفهاؤها
حلماؤها مبتدأ وسفهاؤها الخبر ويجوز أن يكون حلماؤها بدلا من أمية بدل الاشتمال وسفهاؤها رفع باستجهلت تقديره وسفهت حلماء أمية فاستجهلت سفهاؤها. والمجهلة الامر يحملك على الجهل. والمقموع المقهر تقول قمعته أي أذللته وقمعته أي ضربته بالمقمعة. وخوى نجم الخير أي سقط واصله من الانواء وهي منازل القمر وقد ذكرها ابن قتيبة. وأصل أخوى من الخلو يقال خوى نجم كذا إذا خلا من المطر عند سقوطه أي أخلف مطره يخوى خيا وأخوى أيضا يقال خوى المنزل يخوى خويا إذا خلا وخوى يخوى وخوى جوفه من الطعام مثله وقال كعب ابن زهير في خوى النجم:
قوم إذا خوت النجوم فانهم ... للطارقين النازلين مقار
وأنشد الفراء في أخوى
وأخوت نجوم الاخذ إلا أنضة ... أنضة محل ليس قاطرها يثري
ثم استعمل خوى فيما يقل خيره وتسقط دولته يقال خوى النجم مشدد إذا طار وخوى إذا أفل وسمى النجم نجما بالطلوع يقال نجم النجم والنبت إذا طلعا وكل طالع ناجم. وكسدت سوق البر الكساد خلاف النفاق ونقيضه وسوق كاسدة بائرة وقيل الكساد الفساد والسوق موضع البيع وسميت سوقا لأن الأشياء تساق اليها أي تجلب للبيع وهي مؤنثة وقد جاء تذكير ما في الشعر قال الشاعر:
بسوق كثير ريحه وأعاصره
والبر كل ما تقرب به إلى الله ﷿ من عمل خير فهو بر هذا قول الزجاج وقال غيره البر خير الدنيا وخير الاخرة فخير الدنيا ما ييسره الله للعبد من الهدى والنعمة والخيرات وخير الاخرة والفوز بالنعيم الدائم في الجنة والفعل منه بررته أبره برًا والبر الاسم وبارت السوق أفرط رخص سلعتها وكسدت وقي الحديث " نعوذ بالله من بوار الأيم " أي كسادها وهو أن تبقى المرآة في بيتها لا يأتيها خاطبها وأصل ذلك من الفساد والهلاك يقال بارت الأرض إذا خرجت وبار الشيء إذا هلك. والبضاعة

1 / 22

القطعة منة المال يتجر فيها واشتقاقها من البضع وهو القطع ومنه البضعة من اللحم وهي القطعة منه وسيف باضع إذا مر بشيء قطع منه بضعة ويقال بضعه بلسانه يبضعه بضعا.
وقوله " وصار العلم عارًا على صاحبه والفضل نقصا وأموال الملوك وقفًا على النفوس والجاه الذي هو زكاة الشرف يباع بيع الخلق " العار العيب ولم يستعمل الفعل منه إلا بالزيادة عيرت الرجل تعييرًا رميته بالعار. والفضل الزيادة من علم وغيره يقال فضل الرجل وفضل واسم الفاعل من فضل فاضل مثل فهو عالم وجمعه فضلة ككاتب وكتبة فأما فضلاء فهو جمع فعيل ولم يتكلموا به اكتفاء بفاعل وفعيل مبنى لما ماضيه فعل ككرم فهو كريم وحلم فهو حليم والجمع حلماء وكرماء ولما جاء فضل على وزن كرم آخرجوه في الجمع إلى باب فعيل فقالوا فضلاء ومثله شاعر شعراء على غير قياس فأما علماء فإنه لما جاء فيه عالم وعليم استغنوا بجمع عليم عن جمع عالم فقالوا علماء. والمعنى وصار ما في الإنسان من الزيادة ومن العلم الذي تحلاء القلوب لنباهته مغمور بالمستعلين بضده فهم يرونه نقصًا لخلوهم منه وافتقار أهله وأهل العلم يرون أن ما أعطوا من العلم أفضل مما حرموا من المال إلى هذا ذهب الشاعر في قوله:
ما سرني أن ملك الأرض أصبح لي ... وأنني كنت عريانًا من الآدب
وقوله وأموال الملوك وقفًا على النفوس أي وصارت أموال الملوك حبسًا على شهوات النفوس وملاذها غير مصروفة في سبل الخير وطرق البر وقوله وقفا روى أبو عبيد عن الكسائي وقفت الدابة والأرض وكل شيء إذا حبسته فأما أوقفت فهي ردية وعن أبي عمرو بن العلاء وقفت في كل شيء إلا أني لو مررت برجل واقف فقلت ما أوقفك ههنا لرأيته حسنا قال أبو زيد أوقفت الرجل على خزية إذا كنت لا تحبسه بيدك ووقفت دابتي إذا حبستها بيدك وقال أبو عمرو الشيباني كان على أمر فأوقف أي أقصر. ثعلب أوقفت المرأة إذا علمت لها وقفا وهو السوار من العاج فقد ثبت من هذه الأقوال أن لا وقفت خمسة مواضع ويحكى عن اليزيدي أنه قال سألت ابن قتيبة عن قوله وقفا على النفوس فقلت لم تزل الأموال كذلك فقال الأموال في سالف الدهر كانت تنفق في الحقوق الواجبة اللازمة فصارت اليوم تنفق في

1 / 23

المواضع التي تميل النفس إليها وروى لنا الشيخ أبو زكرياء عن القصباني عن الزخرفي في النقوش بالقاف والشين المعجمة يريد به زخرفة الدور وتزويقها ووشى الثياب وتوسيعها وأصل النقش الأثر وقال أعرابي يذهب الرماد حتى ما ترى له نقشا أي أثرا في الأرض. والجاه المنزلة عند السلطان وألفه منقلبة من واو وقال قوم هو مقلوب من الوجه واستدلوا بقولهم وجه الرجل إذا صار ذا جاه فحولت فاء الفعل إلى وضع العين ومثله طمرت العين قذاها أي طرحته وما أطيبه وأيطبه والمعنى وصار الجاه الجاه الذي يجعله ذوو والشرف زكاة لشرفهم فيبذلونه لذوي الحاجات والرغبات عند من يبيعه بأدنى عرض ويبذله بالتافه ولا يرى منحه تطوعا كما كان يفعله من كان قبل من الرؤساء وذكر أن الحسن بن سهل جاءه رجل يستشفع به في حاجة فقضاها فأقبل الرجل يشكر فقال الحسن علام تشكرني ونحن نرى أن للجاه زكاة كما أن للمال زكاة ثم أنشأ الحسن يقول:
فرضت عليّ زكاة ما ملكت يدي ... وزكاة جاهي أن أعين وأشفعا
فإذا ملكت فجد فإن لم تستطع ... فاجهد بوسعك كله أن تشفعا
والزكاة سميت بذلك لأنها مما يرجى به زكاة المال وهي زيادته ونماؤه وقال قوم سميت زكاة لأنها طهرة واحتجوا بقوله تعالى " وتزكيهم بها " وأصلها زكوة على فعله فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها والفعل منها زكى الرجل ماله يزكيه تزكيه والزكاة أيضًا الصلاح يقال رجل تقي زكي وزكا الزرع ظهرت زيادته. والشرف الرفعة تقول شرف الرجل يشرف شرفاء والخلق الثوب البالي سمى خلقا لملاسته ومن ذلك قيل للصخرة الملساء خلقاء وقيل في ضده حلة شوكاء إذا كانت حديدا اشتقوا لها وصفا من لفظ الشوك لخشونة ملبسها والخلق يستعمل في المذكر والمؤنث بغير هاء لأنه مصدر والفعل منه خلق الثوب خلوقة خلوقا وأخلق اخلاقا وجمع الخلق خلقان واخلاق وقالوا ثوب أخلاق للواحد فوصفوه بصيغة الجمع كما قالوا حبل أرماث ونحو ذلك قال الشاعر:
جاء الشتاء وقميصي أخلاق
وتأويل ذلك أن القميص وإن كان واحدا فهو مضموم بعضه إلى بعض من قطع متفرقة فصارت الأخلاق لازمة لتلك القطع.
وقوله واضت المروءات في زخارف النجد وتشييد البنيان ولذات النفوس في

1 / 24