وكان عماد الدين يسمع قوله وهو يتفرس في سحنته كأنه رأى ذلك الوجه وسمع ذلك الصوت من قبل. فلما فرغ الشيخ سليمان من قوله أجابه عماد الدين: «قد أمرني الأستاذ الأكبر أن أقف بباب مولاي أخدمه بما يحتاج إليه، فإن كان في شاغل بالصلاة أو غيرها فلا شأن لي به، وإنما ألبي أمره إذا أمرني فأجلب له الطعام أو ما يحتاج إليه من الأمور.»
قال: «حسنا. ما اسمك؟» قال: «عبد الجبار.»
قال: «اقعد هنا، وإني شاكر لأخينا الشيخ فضله. وعلى كل حال لا حاجة لي بك في الليل فإذا غابت الشمس انصرف إلى مكانك.»
ومشى نحو الباب وتناول المفتاح ليفتحه وعماد الدين يراقب حركاته ويبحث في ذاكرته عما يعرفه عن ذلك الرجل وأين رآه في دمشق أو القدس أو مصر فلم يخطر له شخص يعرفه بهذا الاسم.
دخل الشيخ سليمان المنزل وظل عماد الدين جالسا على حجر وقد شغل خاطره بأمر هذا الرجل. ولم يتذكر أين رآه فظن نفسه واهما في تصوره، فصرف فكره عنه وعاد إلى التفكير في صلاح الدين والخروج من ذلك الحصن ليخبره بما عمله؛ وليرى سيدة الملك على فراغ واطمئنان.
وكانت الشمس قد مالت إلى الغروب فذهب ليأتيه بالعشاء وكانوا قد أعدوه له في أطباق، فحملها فوق رأسه حتى أتى الباب وقرعه وطال انتظاره قبل أن يفتحه له. ولما فتحه تناول الطعام منه وأدخله بيده ودفع إليه دينارا وقال له: «قد جاء الغروب فانصرف إلى شأنك يا عبد الجبار.»
فتناول الدينار وأظهر الامتنان وانصرف وهو يفكر في أمر هذا الرجل وحرصه الشديد على منزله حتى لا يأذن لخادمه بالدخول إليه. وفيما هو في الطريق لقيه عبد الرحيم فسلم عليه وسأله عما جرى فأخبره بما شاهده وما استغربه من حال الشيخ سليمان، فضحك عبد الرحيم وقال: «لم يسمح لك بالدخول، لا بأس؟ ألم تتذكر أنك تعرفه من قبل؟»
قال: «تصورت أول وهلة أني رأيت ذلك الوجه أو على الأقل سمعت ذلك الصوت. لكنني غيرت فكري لأني وجدت نفسي واهما.»
فقال وهو يحك عثنونه ويخفي ضحكة: «قد تكون واهما وستبدو لك الحقيقة بعد قليل. لكن كيف أشار بانصرافك الآن وهو قد يحتاج إليك في الليل؟»
قال: «لا أدري، ويظهر لي أنه يكتم أشياء لا يحب أن أطلع عليها. أظنك عرفت عنه شيئا لم تقصه علي.»
صفحة غير معروفة