855

صحيح ابن خزيمة

الناشر

المكتب الإسلامي

الإصدار

الثالثة

سنة النشر

١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م

يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:
"مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَمَسَّ مِنْ طِيبٍ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ، وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَرْكَعُ إِنْ بَدَا لَهُ، وَلَمْ يُؤْذِ أَحَدًا، ثُمَّ أَنْصَتَ إِذَا خَرَجَ إِمَامُهُ حَتَّى يُصَلِّيَ، كَانَ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى".
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا مِنَ الْجِنْسِ الَّذِي أَقُولُ: إِنَّ الْإِنْصَاتَ عِنْدَ الْعَرَبِ قَدْ يَكُونُ الْإِنْصَاتُ عَنْ مُكَالَمَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا دُونَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَدُونَ ذِكْرِ اللَّهِ وَالدُّعَاءِ، كَخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ: كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ فِي الصَّلَاةِ فَنَزَلَتْ: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا) [الأعراف: ٢٠٤] فَإِنَّمَا زُجِرُوا فِي الْآيَةِ عَنْ مُكَالَمَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَأُمِرُوا بِالْإِنْصَاتِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ: الْإِنْصَاتِ عَنْ كَلَامِ النَّاسِ لَا عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، إِذِ الْعِلْمُ مُحِيطٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ: "ثُمَّ أَنْصَتَ إِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَتَّى يُصَلِّيَ" أَنْ يُنْصِتَ شَاهِدُ الْجُمُعَةِ فَلَا يُكَبِّرَ مُفْتَتِحًا لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَلَا يُكَبِّرَ لِلرُّكُوعِ، وَلَا يُسَبِّحَ فِي الرُّكُوعِ، وَلَا يَقُولَ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، بَعْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنَ الرُّكُوعِ، وَلَا يُكَبِّرَ عِنْدَ الْإِهْوَاءِ إِلَى السُّجُودِ، وَلَا يُسَبِّحَ فِي السُّجُودِ، وَلَا يَتَشَهَّدَ فِي الْقُعُودِ، وَهَذَا لَا يَتَوَهَّمُهُ مَنْ يَعْرِفُ أَحْكَامَ اللَّهِ وَدِينَهُ، فَالْعِلْمُ مُحِيطٌ أَنَّ مَعْنَى الْإِنْصَاتِ فِي هَذَا الْخَبَرِ: عَنْ مُكَالَمَةِ النَّاسِ وَعَنْ كَلَامِ النَّاسِ، لَا عَمَّا أُمِرَ الْمُصَلِّي مِنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ وَالتَّسْبِيحِ وَالذِّكْرِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ فِي الصَّلَاةِ، فَهَكَذَا مَعْنَى خَبَرِ النَّبِيِّ ﷺ -إِنْ ثَبَتَ-: "وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا" (١)، أَيْ: أَنْصِتُوا عَنْ كَلَامِ النَّاسِ. وَقَدْ بَيَّنْتُ مَعْنَى الْإِنْصَاتِ، وَعَلَى كَمْ مَعْنًى يَنْصَرِفُ هَذَا اللَّفْظُ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي أَمْلَيْتُهَا فِي "الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ".

(١) (قلت: بل هو حديث ثابت صحيح. وقد صححه الإمام مسلم، وهو مخرج في "إرواء الغليل" (٣٩٤) و"صحيح أبي داود" (٦١٧)، وحمله على المعنى الذي ذكره المصنف بعيد. والله أعلم - ناصر).

2 / 860