صلى الله عليه وسلم
ويصلي عليه، ثم يتلو الصانع الفاتحة مرة ثالثة، فبعد أن يفرغ منها يسلم النقيب على الحاضرين من الزوار، ويسلم سبع سلامات، سلاما على الحاضرين، وسلاما ثانيا على أهل الحرفة وشيوخها وسلاما ثالثا على أهل الميمنة وسلاما رابعا على الميسرة، وسلاما خامسا على السادات، وسلاما سادسا على الإصلاح، وسلاما سابعا على الأحباب ... ثم يلتفت إلى المشدود ويقول له: «أوصيك يا من تخاوي أو تعاهد بأداء فروض رب العالمين، وأن ترعى عهدك وشدك وسيشهد عليك حفظة السماء، وستكتب من يضيعه من المبعدين، وأختم كلمتي بمدح أحمد المختار أمام العالمين، آمين، يا رب العالمين.»
ثم يوثق النقيب بينهم ميثاق الأخوة، فيعتبر أهل الحرفة المشدود كأنه أحدهم، وأنه أخ لهم، وربما فضلوه على الأخ الحقيقي، وبعد ذلك يعين أحد الحاضرين أبا للمشدود على حسب الصنعة التي التحق بها، ويكون هذا أبا له والصانع ابنه، ثم يأخذ شيخ الحرفة في نصيحة المشدود، ويقول: «يا بني، إن جميع الحرف أهلها أمناء على الأعراض والأرواح والأموال. والأمانة هي الدين، فكن صادقا وأمينا. واعلم أن «كارك» مثل عرضك. حافظ عليه بكل ما تملك، وإذا استلمت أموال الناس فلا تفرط فيها، وإياك أن تخون أهل الحرفة، والخائن مسئول أمام الله.» ثم يلتفت إلى الحاضرين ويسألهم: هل هو يستحق الشد وأن يكون صانعا؟ فيقولون: نعم. وحينئذ يأخذ عليه هذه العهود ويركع أحدهما إزاء الآخر نصف ركعة بحيث تمس الركبتان اليسريان الأرض، وتنثني اليمنيان نصف ثنية، ويقترب بعضهما من بعض حتى يتلاصق الإبهامان اليمنيان، ويمسكان بيد بعض مسكة خاصة معروفة ويتعاهدان على الإخاء. ثم توزع الهدايا الموضوعة في صينية، وهي للنقيب لوح صابون، وقطعة من الشاش مطرزة، وخلة وعرق أخضر، ومنهم من يضيف إلى ذلك كيسا لوضع التنباك ومسبحة. والصابونة رمز لتنظيف اليدين من السرقة، والشاشة لمسح الفم ووقاية الأثواب والخلة لتنظيف الأسنان، والعرق الأخضر لتزال به رائحة الأكل من اليد. ثم يهنأ المشدود، وترتفع الأصوات بالتهليل، ويقولون مرارا: صلوا على عيسى وموسى ومكحول العينين. وقد تعد لذلك وليمة يعدها الصانع ويراعي فيها أن تكون بسيطة، ويسمون الأكل «التمليح» أي أكل الخبز والملح. والملح من قدم رمز للتعاقد والوفاء بالعهد.
وللشد ضريبة تبلغ أربعين فرنكا إلى مائة فرنك. أما تولية الشيخ أو النقيب فلها شعائر أخرى لا نطيل بذكرها.
وهناك مجلس أعلى يشرف على هذه العمال، ويسمى «المجلس الكبير»، فيجتمع الإخوان كل شهر، وينتخبون منهم رئيسا من اختصاصه سماع الشكايات والفصل في المنازعات التي تقع بين أهل الحرف، والنظر في مصالح أهل الحرفة.
ولهم اجتماع آخر سنوي يبتدئ في أول شهر مارس، يجتمع كل يوم من أهل صناعة خاصة وينظرون في أمورهم، ثم يجتمع أهل الحرف جميعا ويعلن الاجتماع قبل 15 يوما ويحضر جدول الأعمال، ويحضر فيه أهل أربع وعشرين صناعة، ويدعى من عداهم من عامة أهل البلد، ويقام مطبخ عظيم يعد الأكل لجميع الحاضرين، فإذا جاء وقت الطعام يصطف كل أهل حرفة وحدهم.
وإذا أرادت الحكومة تكليف أهل الحرف بشيء أو النظر في أمر من أمورهم، دعت هذا المجلس ليكون واسطة بينها وبين العمال. ولكل حرفة صندوق خاص يتولى المتولي، أي الأخي إدارته، ويسأل عنه. ويوجد في كل صندوق ستة أكياس: كيس أطلس توضع فيه الحجج المبينة لأوقاف الصندوق، وكيس أخضر تحفظ فيه مسائل الأخوة، وكيس منسوج تحفظ فيه نقود الأخية، وكيس أحمر تحفظ فيه سندات النقود، وكيس أبيض تحفظ فيه سندات المصالح، وكيس أسود تحفظ فيه سندات النقود التي لم تحصل.
ولهم رموز خاصة يتبادلونها عند تنصب الفتى صانعا وعند انتخاب النقيب قد بينها كتاب «مفتاح الدقائق في بيان الفتوة والحقائق». ولما اطلع على هذه النظم - التي كانت قائمة في بلاد الأتراك وفي ممتلكاتها كمصر ودمشق - كتب الأستاذ إلياس عبد الله قنصل هولندا بدمشق يقرر أن هناك تشابها كبيرا بين هذه النظم والتقاليد ونظام الماسونية وتقاليدها، فتساءل: ما هي العلاقة بين تلك النظم، وهل أخذت الماسونية نظامها من نظم الفتوة، وما الدليل على ذلك؟ وإذا لم تأخذ الماسونية من الفتوة فكيف تشابهت التعاليم؟
ورجا الباحثين أن يجيبوه عن أسئلة، ولكن لم أر بحثا يجيب على هذه الأسئلة. وربما كانت هذه النظم ترجع إلى عهد الفاطميين؛ ففي صبح الأعشى أن الفاطميين ألفوا جماعة سموهم صبيان الخاص، وجعلوهم من أخصاء الخليفة. وسموا في عهد المماليك بالخاصكية، وسموا في نظام الفتوة بالفتيان الخاصكية. وفرقة أخرى تسمى صبيان الحجر، وهم جماعة من الشبان يناهزون خمسة آلاف ويقيمون في حجر منفردة. ولكل حجرة اسم خاص، فبعضهم يسمون مماليك الطباق ويسمون في نظام الفتوة فتيان الطباق.
وبعضهم يسمون طوائف الأجناد، تنسب كل جماعة منها إلى صاحبها كالحافظية والآمرية من بقايا الحافظ والآمر. وكالجيوشية والأفضلية من بقايا أمير الجيوش وولده الأفضل. وبعضهم إلى أجناسهم، كالأتراك والغز والديلم. ولكل طائفة قواد. وطائفة كانت تسمى الفداوية، تخصص لأعمال الفداء كالإسماعيلية، فهذه الطوائف وضع ما يقابلها على ما يظهر عند السنية اتقاء لشرورها كما فعل الناصر لدين الله. ومن هذه انتقلت إلى الأناضول وغيرها من البلاد التركية. ولكن تغيرت أحوالها بتغير البيئة وتغير الزمان والمكان، وربما كان لجمعية إخوان الصفاء وهي جمعية شيعية معروفة إيحاء بتسمية ما بعدها بالأخوة والله أعلم. •••
صفحة غير معروفة