667

الروض الأنف في شرح السيرة النبوية

الناشر

دار إحياء التراث العربي

الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٤١٢ هـ

مكان النشر

بيروت

لَلُؤْمٌ بِنَا أَنْ يَتَخَلّفَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بن عبد المطّلب عن طعام من بيننا، ثم قام إليه فاحتضنه، وأجلسه مع القوم. فلما رَآهُ بَحِيرَى، جَعَلَ يَلْحَظُهُ لَحْظًا شَدِيدًا، وَيَنْظُرُ إلى أشياء من جسده، وقد كَانَ يَجِدُهَا عِنْدَهُ مِنْ صِفَتِهِ، حَتّى إذَا فَرَغَ الْقَوْمُ مِنْ طَعَامِهِمْ وَتَفَرّقُوا، قَامَ إلَيْهِ بحيرى، فقال: يا غلام، أسألك بحقّ اللّات وَالْعُزّى إلّا مَا أَخْبَرْتَنِي عَمّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ، وَإِنّمَا قَالَ لَهُ بَحِيرَى ذَلِكَ؛ لِأَنّهُ سَمِعَ قَوْمَهُ يَحْلِفُونَ بِهِمَا، فَزَعَمُوا أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: لا تسألنى باللات والعزّى شيئا، فو الله مَا أَبْغَضْتُ شَيْئًا قَطّ بُغْضَهُمَا، فَقَالَ لَهُ بَحِيرَى: فَبِاَللهِ إلّا مَا أَخْبَرْتَنِي عَمّا أَسْأَلُك عنه، فقال له:
سلنى عمّا بد الك. فجعل يسأله عن أشياء من حاله من نَوْمِهِ وَهَيْئَتِهِ وَأُمُورِهِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُخْبِرُهُ، فَيُوَافِقُ ذَلِكَ مَا عِنْدَ بَحِيرَى مِنْ صِفَتِهِ، ثُمّ نَظَرَ إلَى ظَهْرِهِ، فَرَأَى خَاتَمَ النّبُوّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ عَلَى مَوْضِعِهِ مِنْ صِفَتِهِ الّتِي عِنْدَهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ مِثْلَ أَثَرِ الْمِحْجَمِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا فَرَغَ، أَقْبَلَ عَلَى عَمّهِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لَهُ: مَا هَذَا الْغُلَامُ مِنْك؟ قَالَ: ابْنِي. قَالَ لَهُ بَحِيرَى: مَا هُوَ بِابْنِك، وَمَا يَنْبَغِي لِهَذَا الْغُلَامِ أَنْ يَكُونَ أَبُوهُ حَيّا، قَالَ: فَإِنّهُ ابْنُ أَخِي، قَالَ: فَمَا فَعَلَ أَبُوهُ؟ قَالَ: مَاتَ وَأُمّهُ حُبْلَى بِهِ، قَالَ: صَدَقْت، فَارْجِعْ بِابْنِ أَخِيك إلَى بلده، واحذر عليه يهود، فو الله لَئِنْ رَأَوْهُ، وَعَرَفُوا مِنْهُ مَا عَرَفْتُ لَيَبْغُنّهُ شَرّا، فَإِنّهُ كَائِنٌ لَابْنِ أَخِيك هَذَا شَأْنٌ عظيم، فأسرع به إلى بلاده.
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

2 / 218