1086

الروض الأنف في شرح السيرة النبوية

الناشر

دار إحياء التراث العربي

الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٤١٢ هـ

مكان النشر

بيروت

إذَا كَانَتْ اللّيْلَةُ الثّالِثَةُ أَخَذَ كُلّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَجْلِسَهُ، فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتّى إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرّقُوا، فَجَمَعَهُمْ الطّرِيقُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: لَا نَبْرَحُ حَتّى نَتَعَاهَدَ أَلَا نَعُودَ، فتعاهدوا على ذلك، ثم تفرّقوا.
فَلَمّا أَصْبَحَ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ أَخَذَ عَصَاهُ، ثُمّ خَرَجَ حَتّى أَتَى أَبَا سُفْيَانَ فِي بَيْتِهِ، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي يَا أَبَا حَنْظَلَةَ عَنْ رَأْيِك فِيمَا سَمِعْت مِنْ مُحَمّدٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا ثَعْلَبَةَ وَاَللهِ لَقَدْ سَمِعْت أَشْيَاءَ أَعْرِفُهَا، وَأَعْرِفُ مَا يُرَادُ بِهَا، وَسَمِعْتُ أَشْيَاءَ مَا عرفت معناها ولا ما يراد بها، قال الأخنس: وأنا والذى حلفت به.
قَالَ: ثُمّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ حَتّى أَتَى أَبَا جَهْلٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ، فَقَالَ:
يَا أَبَا الْحَكَمِ، مَا رَأْيُك فِيمَا سَمِعْتَ مِنْ مُحَمّدٍ؟ فَقَالَ: مَاذَا سَمِعْتُ، تَنَازَعْنَا نَحْنُ وَبَنُو عَبْدِ مَنَافٍ الشّرَفَ، أَطْعَمُوا فَأَطْعَمْنَا، وَحَمَلُوا فَحَمَلْنَا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا عَلَى الرّكْبِ، وَكُنّا كَفَرَسَيْ رِهَانٍ، قَالُوا: مِنّا نَبِيّ يَأْتِيهِ الْوَحْيُ مِنْ السّمَاءِ، فَمَتَى نُدْرِكُ مِثْلَ هَذِهِ، وَاَللهِ لَا نُؤْمِنُ بِهِ أَبَدًا، وَلَا نُصَدّقُهُ.
قَالَ: فَقَامَ عَنْهُ الْأَخْنَسُ وَتَرَكَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ- ﷺ إذَا تَلَا عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ، ودعاهم إلى الله، قالوا يهزؤن بِهِ: (قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ) لَا نَفْقَهُ مَا تَقُولُ: (وَفِي آذانِنا وَقْرٌ) لَا نَسْمَعُ مَا تَقُولُ: (وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ) قَدْ حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَك (فَاعْمَلْ) بِمَا أَنْت عَلَيْهِ (إِنَّنا عامِلُونَ) بِمَا نَحْنُ عَلَيْهِ، إنّا لَا نَفْقَهُ عَنْك شَيْئًا، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: وَإِذا قَرَأْتَ
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

3 / 197