الروض المعطار في خبر الأقطار
محقق
إحسان عباس
الناشر
مؤسسة ناصر للثقافة-بيروت
الإصدار
الثانية
سنة النشر
١٩٨٠ م
مكان النشر
طبع على مطابع دار السراج
شقة، وزن كل شقة سبعون رطلًا بالشامي، وفيه أربع صوامع للأذان، وكان له من المسلمين ثلثمائة خادم ومن النصارى عشرة يكنسون سطوحه وينظفون قنوات الماء ولا تؤخذ منهم جزية، ومن اليهود نيف وعشرون خادمًا ولا تؤخذ منهم جزية، وكانوا يحجبون المسجد وينظفون الظاهر حول المسجد. ووظيفته من الزيت كل شهر سبعمائة قسط بالإبراهيمي، وزن القسط رطل ونصف رطل بالشامي الكبير.
وقبة الصخرة على أكمة في المسجد، والصخرة تحت القبة، وتحت القبة مغارة ينزل إليها بدرج مما يلي الباب القبلي من أبواب القبة، والصخرة مرتفعة من ناحية المغرب ذراعين، منخفضة من جهة المشرق، وحول الصخرة حظيرة من رخام ارتفاعها نحو ذراع ونصف، ولقبة الصخرة أربعة أبواب، وفي المسجد القبة التي يذكر أن النبي ﷺ عرج به منها إلى السماء، ومنارة إبراهيم ﵇ التي كان يتخلى فيها للعبادة، ومصلى جبريل ﵇، ومصلى الخضر، والسطح المسقف من بيت المقدس قد سوي وفرش على بنيان قديم نحت نحتًا، ينسب بناؤها إلى سليمان بن داود ﵉، ولولا ذلك ما اعتدل سطح المسجد لأنه في سند، وفيما بين تلك الحنايات التي في المسجد والقباب التي في وسط المسجد أكمة مرتفعة من الأرض لها من كل ناحية نحو ست درجات وأكثر، وهناك مقامات للدعاء معروفة وشرف من المسجد على واد ينحط منه إلى عين يقال لها سرحان، يقال إنها العين التي كان المسيح ﵇ يفتح فيها عيون العميان، وهناك كنيسة يقال لها الجسمانية وعلى فرسخ منها مما يلي قبلتها في مستو من الأرض بيت لحم، وبه ولد المسيح ﵇، وبه النخلة التي تساقطت على مريم رطبًا جنيا والسري الذي جعل الله تحتها فشربت منه وتطهرت، والمهد الذي جعلت فيه المسيح حين ولدته، وهو حوض أبيض غسلته فيه، وهو قريب من العين، وعلى فرسخين من بيت لحم تجاه القبلة منه قبر إبراهيم الخليل ﵇، تصعد جبلًا ثم تنحط إليه، وإلى جانبه قبر إسحاق ﵇، وهناك مسجد إبراهيم ﵇، ومن بيت المقدس إلى مسجد إبراهيم ﵇ ثلاثة عشر ميلًا مما يلي القبلة، وحول القرية التي فيها قبر إبراهيم ﵇ غياض وأشجار تفاح أحمر، وهناك دير إلى جانبه جبل يصعد في قنته في قدر ثلثمائة مرقاة، يقال إن هذا الجبل صعد منه المسيح ﵇ إلى السماء.
مقدونية:
اسم قديم لمصر قبل أن ينزلها مصر بن هرمس، وإليها ينسب الاسكندر، فيقال المقدوني (١) .
المقطم (٢):
جبل يتصل بمصر أوله من ديار مصر، فيمر في الصحراء إلى أن ينتهي إلى قرب أسوان، وهو جبل مشهور بالطول، وأما ارتفاعه فإنه يعلو من مكان وينخفض في مكان، وتنقطع منه مواضع، وتحفر منه المغرة والكلس، وفيه ذهب كثير، وكذلك تربته إذا دبرت استخرج منها ذهب صالح، ويتصل قطع بديار مصر الداخلة في البحر الملح في جهة القلزم، وهو بحر الحجاز، وفي هذا الجبل وما اتصل به كثير من الكنوز مما خبأته ملوك مصر في الزمن القديم، وفيه كثير من هياكل الكهنة وعجائبهم، ومما يلي البحر منه الجبل المتحرك المدور الذي لا يستطيع أحد أن يصعده ولا يجد السبيل إلى الطلوع إليه لإملاسه وارتفاعه، ويذكر أن فيه كنوزًا عظيمة لمقطم الكاهن، وإليه ينسب هذا الجبل بأسره، وفيه أيضًا كنوز كثيرة لبعض ملوك مصر من المال والجوهر وتراب الصنعة والتماثيل العجيبة وأصنام الكواكب، وقد كانوا رأوا في علومهم أن ملكًا من ملوك الإفرنجة يقصدهم لما كان اتصل به من كثرة أموالهم والصنعة التي كانوا يدبرونها لعمل الذهب، فكان ما خافوه من ذلك حقًا، وقصدهم الملك الإفرنجي، فغزا ديار مصر في ألف مركب، فهرب أكابرهم إلى هذا الجبل وتستروا في الأماكن الخفية فيه، وبعضهم أمعن في الهرب حتى لحق بالواحات فلم يوصل إليهم، ونجا أكثرهم بأموال. وعرض هذه الصحراء التي قدمنا ذكرها يقطعها السالك من قوص إلى عيذاب في عشرين يومًا، وبها جب ماؤه من أعجب العجب لا ينزل به من شربه من حيث تنزل المياه من الإنسان، ولا يقيم بالمعدة، بل إذا شربه الإنسان لم يلبث أن ينزل به من مقعدته مسرعًا من غير تأخير ولا إقامة، ولا تسلك هذه الصحراء في اشتداد الحر، فما يمر به السالكون إلا في آخر أيام الخريف، وأهل مصر يدفنون موتاهم في جبل المقطم.
وكان السبب (٣) في جعله مقبرة ما روي أن عمرو بن العاصي ﵁ لما فتح مصر قال له المقوقس: إنا نجد أن هذا
(١) إن الحديث عن مقدونية التي ينسب إليها الاسكندر قد مر في رسم «مجدونية»؛ وهذا التعريف بمقدونية نقله مؤلف الترجمانة: ٤٨١؛ وانظر ابن خرداذبه: ٨٠.
(٢) صبح الأعشى ٣: ٣٠٦.
(٣) انظر ياقوت: (المقطم) .
1 / 557