546

الروض المعطار في خبر الأقطار

محقق

إحسان عباس

الناشر

مؤسسة ناصر للثقافة-بيروت

الإصدار

الثانية

سنة النشر

١٩٨٠ م

مكان النشر

طبع على مطابع دار السراج

بين يديه، فذعر المنصور منه ذعرًا شديدًا، ثم أخذه فجعل يقلبه، فإذا مكتوب عليه بين الريشتين:
أتطمع في الحياة إلى التنادي ... وتحسب أن ما لك من معاد
ستسأل عن ذنوبك والخطايا ... وتسأل بعد ذاك عن العباد ثم قرأ عند الريشة الأخرى:
أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ... ولم تخف سوء ما يأتي به القدر
وساعدتك الليالي فاغتررت بها ... وعند صفو الليالي يحدث الكدر ثم قرأ عند الريشة الأخرى:
هي المقادير تجري في أعنتها ... فاصبر فليس لها صبر على حال
يومًا تريك خسيس القوم ترفعه ... إلى السماء ويومًا تخفض العالي قال: وإذا على جانب السهم مكتوب: همذان منها مظلوم في حبسك، فبعث من فوره بعدة من خاصته ففتشوا الحبوس والمطابق، فوجدوا شيخًا في بيت من الحبس فيه سراج يسرج، وعلى بابه جارية مسبلة (١)، وإذا الشيخ موثوق بالحديد متوجه نحو القبلة يردد هذه الآية " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون "، فسئل عن بلده فقال: همذان، فحمل ووضع بين يدي المنصور، فسأله عن حاله، فأخبره أنه رجل من أبناء مدينة همذان وأرباب نعمتها، وأن واليك دخل إلى بلدنا، ولي ضيعة في بلدنا تساوي ألف ألف درهم، وأراد أخذها مني فامتنعت، فكبلني في الحديد وحملني، وكتب إني عاص، فطرحت في هذا المكان، فقال المنصور: مذ كم؟ قال: مذ أربعة أعوام، فأمر بفك الحديد عنه والإحسان إليه والإطلاق له وإنزاله أحسن منزل، وقال: يا شيخ، قد رددنا عليك ضيعتك بخراجها ما عشت وعشنا وأما مدينتك همذان فقد وليناك عليها، وأما الوالي فقد حكمناك فيه وجعلنا أمره إليك، فجزاه الشيخ خيرًا ودعا له بالبقاء وقال: يا أمير المؤمنين، أما الضيعة فقد قبلتها، وأما الولاية فلا أصلح لها وأما واليك فقد عفوت عنه، فأمر له المنصور بمال جزيل وبر واسع، واستحله وحمله إلى بلده مكرمًا بعد أن صرف الوالي وعاتبه على ما جنى من انحرافه عن سنة العدل، وسأل الشيخ مكاتبته في مهماته وأخبار بلده، وإعلامه بما يكون من ولاته على الحرب والخراج، ثم أنشأ المنصور يقول:
من يصحب الدهر لا يأمن تصرفه ... يومًا وللدهر إحلاء وإمرار
لكل شيء وإن دامت سلامته ... إذا انتهى فله لا بد إقصار
مدينة المائدة (٢):
في أحواز طليطلة، سميت بذلك لأنها وجد فيها المائدة المنسوبة إلى سليمان بن داود ﵉ وهي خضراء من زبرجد، حافاتها منها وأرجلها، وكان فيها ثلثمائة وخمسة وستون رجلًا، وانتهى إليها طارق حين مضى إلى طليطلة سنة ثلاث وتسعين.
المدان (٣):
بلد بالحجاز، به مات عيسى بن جعفر بن أبي جعفر سنة اثنتين وتسعين ومائة.
قال أبو العيناء: انصرف عيسى بن جعفر ليلة من عند الرشيد، وفي إصبعه خاتم فضة، فصه ياقوت أحمر قيمته عشرة آلاف دينار، فسقط فصه في الطريق، فطلب فلم يوجد، فقال: أطفئوا الشمع، فلما أظلم الطريق أضاء الفص فأخذه.
المذار (٤):
بالعراق، وهي مدينة ميسان، على ضفة دجلة،

(١) مروج الذهب: ثوب مسبل.
(٢) بروفنسال: ١٧٩، والترجمة: ٢١٦.
(٣) ص ع: المدائن، ولا وجه لذكره هنا لو كان كذلك، فقد ذكرت المدائن من قبل، وعند ياقوت «المدان» بناحية الحرة الرجلاء في ديار قضاعة؛ والمدار - بالراء - موضع بالحجاز في ديار عدوان أو غدانة؛ ومن الصعب الاهتداء إلى حقيقة ما يريده المؤلف، إذ قرن الموضع بوفاة عيسى بن جعفر بن أبي جعفر، وعند ابن الأثير (٦: ٢٠٨) أنه توفي بالدسكرة؛ وعند ابن قتيبة (المعارف: ٣٧٩) أنه مات بدير بين بغداد وحلوان، وهو شبيه بما قاله ابن الأثير.
(٤) قارن بنزهة المشتاق: ١٢١، وياقوت (المدار)، واليعقوبي: ٣٢٢.

1 / 530