427

الروض المعطار في خبر الأقطار

محقق

إحسان عباس

الناشر

مؤسسة ناصر للثقافة-بيروت

الإصدار

الثانية

سنة النشر

١٩٨٠ م

مكان النشر

طبع على مطابع دار السراج

وكانت قطرًا معتبرًا عند الإسلاميين وأهل الصليب متجاذبًا أبدًا مرغوبًا فيه، وفي آخر الأمر استولى المسلمون عليه فهدموه ومحوا أثره على أيدي أحد الملوك المتأخرين من المصريين.
عكاظ (١):
صحراء مستوية لا علم فيها ولا جبل إلا ما كان فيها من الأنصاب التي كانت بها في الجاهلية، وهي بأعلى نجد وقريب من عرفات، وقيل هي وراء قرن المنازل بمرحلة في طريق صنعاء، وهي من عمل الطائف وقيل هي على ثلاث مراحل من تبالة.
وسوق عُكاظ قرية كالمدينة جامعة لها مزارعَ ونخيل ومياه كثيرة، ولها سوق في يوم الجمعة يقصده الناس في ذلك اليوم بأنواع التجارات، فإذا أمسى المساء انصرف كل أحد إلى موضعه.
وكانت عُكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقًا لمكة في الجاهلية، وكانت عكاظ من أعظم أسواق العرب تنزلها قريش وهوازن وغطفان وأسلم والأحابيش وعقيل والمصطلق وطوائف العرب، وكانت تقوم في النصف من ذي القعدة إلى آخر الشهر، فإذا أهل هلال ذي الحجة أتوا ذا المجاز، وهو قريب من عكاظ، فيقوم سوقها إلى يوم التروية فيسيرون إلى مِنىً.
قال أبو عبيدة: أجمع العُكاظيون على أن فرسان العرب ثلاثة: فارس تميم عْيَيْنة بن الحارث بن شهاب أحد بني ثعلبة بن يربوع بن حنظلة صياد الفوارس وسُمَ الفرسان، وفارس بني قيس عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب وفارس ربيعة بسطام بن قيس بن مسعود بن قيس أحد بني شيبان بن ثعلبة.
وعن ابن عباس ﵄ قال: لما قَدِم وفد إياد على رسول الله ﷺ قال: " ما فعل قس بن ساعدة "، قالوا: مات يا رسول الله، قال ﷺ: " كأني أنظر إليه بسوق عُكاظ يخطب الناس على جمل له أحمر وهو يقول: أيها الناس اجتمعوا واسمعوا وعوا، منَ عاش مات، ومَن مات فات، وكل ما هو آتٍ آت، أما بعدُ فإنَّ في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا، بُحُور تَمُور، ونجومْ تَغور، وسقف مرفوع وعِماد موضوع، أقسم بالله قس قسمًا إن للهِ دِينًا أرضى من دِينٍ أنتم عليه، ما بال الناس يذهبون ولا يرجعون أَرضوا فأقامُوا، أَمْ تركوا فناموا، وسبيل مؤتلف وعمل مختلف، وقال أشياء لا أحفظها "، فقال أبو بكر الصديق ﵁ له: أنا أحفظها يا رسول الله، فقال ﷺ: " هاتها "، فقال:
في الذاهبين الأولي ... ن من القرون لنا بصائرْ
لما رأيت مواردًا ... للقوم ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها ... تمشي الأوائل والأواخر
لا يرجع الماضي ولا ... يبقى من الباقين غابر
أيقنت أني لا محا ... لة حيث صار القوم صائر فقال رسول الله ﷺ: " رحم الله قَسًَا، إني لأرجو أن يبعثه الله تعالى أمة وحدة ".
وكان رسول الله ﷺ أول ما بعثه الله تعالى يعرض نفسه في المواسم على القبائل يدعوهم إلى الله تعالى وإلى ما جاء به، فحدَث الواقديَ عن عامر بن سلمة الحنفي وكان قد أسلم في آخر عمر رسول الله ﷺ قال: رأيت رسول الله ﷺ جاء ثلاثة أعوام بعكاظ ومجنة وذي المجاز يدعونا إلى الله ﷿، وأن نمنع له ظهره حتى يبلغ رسالات ربه ويشترط لنا قال: فما استجبنا له ولا رددنا جميلًا، لقد خشنَا عليه وحلم عنا قال عامر: فرجعت إلى حجر في أول عام، فقال لي هوذة بن علي: هل كان في موسمكم هذا خبر؟ فقلت: رجُل من قُريش يطوف على القبائل يدعوهم إلى الله وحده، وأن يمنعوا ظهره حتى يبلغ رسالات ربه، ولهم الجنة، فقال: من أي قُريشٍ هو قلت: من أوسطهم نسبًا في بني عبد المطلب، قال: هوذة: أهو محمّد بن عبد المطلب؟ قلت: هو هو، قال: أما إنه سيظهر على ما هاهنا، فقلت: هاهنا فقط من بين البلدان، فقال: وغير ما هاهنا ثم وافيت في السنة الثانية فقدِمْتُ حجرًا، فقال: ما فعل الرجل؟ فقلت: رأيته على حاله في العام الماضي، قال: ثم وافيت في السنة الثالثة، وهي آخر ما رأيته وإذا بأمره قد أَمِر، وإذا ذكره كثر في الناس، وأسمع أن الخزرج تبعته، فقدِمت حجرًا فقال لي هوذة: ما فعل الرجل؟ فقلت: رأيت أمره قد أمر، ورأيت قومه عليه أشداء، فقال لي هوذة: هو الذي قلتُ لك، ولو أنا تبعناه كان خيرًا لنا

(١) معجم ما استعجم ٣: ٩٥٩.

1 / 411