الروض المعطار في خبر الأقطار
محقق
إحسان عباس
الناشر
مؤسسة ناصر للثقافة-بيروت
الإصدار
الثانية
سنة النشر
١٩٨٠ م
مكان النشر
طبع على مطابع دار السراج
فحمل عليه سعد بن نجد فصرعه وقتله، وحمل عمرو القنا ففض الناس، وكانت له فرسان لا تخذله، فقال المغيرة بن المهلب لقطن بن قبيصة الهلالي، وكان سيد قيس، ما ترى يا قطن قال: أرى أن تبارزه فإنك له دون الناس، فحمل عليه المغيرة وشالت رجلاه فحامى عنه من فرسانه ثلاثة كانوا من فرسان قطري: بكر وحطان وعمرو، فما برحوا يطاعنون عنه حتى ركب، وبعث المغيرة بهزيمة القوم إلى المهلب وهو على المنبر لم ينزل بعد.
سامان (١) .
سامرا:
هي سر من رأى وهي بالعراق، بناها المعتصم، وذكر أنها كانت مدينة سام بن نوح وأنها ستعمر بعد الدهور، على يد ملك جليل مظفر منصور، ذلك المعتصم بالله أمير المؤمنين.
قالوا (٢): وسر من رأى هي المدينة الثانية من مدن خلفاء بني العباس سكنها ثمانية منهم، وهم: المعتصم، وهو ابتدأها وأنشأها، والواثق هارون ابنه والمتوكل جعفر بن المعتصم والمنتصر محمد بن المتوكل والمستعين أحمد بن محمد بن المعتصم والمعتز أبو عبد الله بن المتوكل والمهتدي محمد بن الواثق والمعتمد أحمد بن المتوكل.
وكانت سر من رأى في متقدم الزمان صحراء لا عمارة فيها، وكان بها دير للنصارى بالموضع الذي صارت فيه دار السلطان المعروفة بدار العامة وصار الدير بيت المال، فلما قدم المعتصم من بغداد منصرفه من طرسوس في السنة التي بويع له فيها بالخلافة وهي سنة ثمان عشرة ومائتين نزل دار المأمون ثم بنى دارًا في الجانب الشرقي من بغداد وانتقل إليها فأقام بها باقي سنة ثمان عشرة وتسع عشرة وعشرين وإحدى وعشرين ومائتين، وكان معه خلق من الأتراك، وهم يومئذ عجم، وكان يوجه في أيام المأمون إلى سمرقند في شراء الأتراك فكان يقدم عليه في كل سنة منهم جماعة فاجتمع له في أيام المأمون منهم زهاء ثلاثة آلاف غلام، فلما أفضت إليه الخلافة لج في طلبهم واشترى من كان ببغداد منهم من رقيق الناس، فكان في من اشترى منهم من بغداد جملة منهم أشناس، وكان مملوكًا لنعيم بن خازم، وإيتاخ كان مملوكًا لسلام الأبرش، ووصيف وكان زرادًا مملوكًا (٣) لابن النعمان الزراد، وسيما الدمشقي وبغا الكبير (٤) وكان مملوكًا للفضل بن سهل، وكان أولاد الأتراك يركبون الدواب ويركضون فيصدمون الناس يمينًا وشمالًا، فيثب عليهم الغوغاء فيقتلون بعضًا ويضربون بعضًا، وتذهب دماؤهم هدرًا لا يعدون على من فعل ذلك بهم، فثقل على المعتصم ذلك، وعزم على الخروج من بغداد، فخرج إلى الشماسية خارج بغداد، فضاقت عليهم أرض ذلك الموضع، وكره أيضًا قربها من بغداد، فمضى إلى البردان فأقام بها أيامًا ثم مر (٥) إلى القاطول فقال: هذا أصلح المواضع، وصير الدير المعروف بالقاطول وسط المدينة وجعل البناء على دجلة وعلى القاطول، وابتدأ البناء وأقطع القواد والكتاب والناس فبنوا حتى ارتفع البناء واختطت الأسواق على القاطول وعلى دجلة، وسكن هو في بعض ما بني له، ثم قال: أرض القاطول غير طائلة والبناء فيها صعب وليس لأرضها سعة، ثم ركب متصيدًا، فمر في صيده حتى صار إلى موضع (٦) سر من رأى، وهي صحراء لا عمارة فيها ولا أنيس إلا دير للنصارى، فوقف بالدير وكلم من فيه من الرهبان فقال: ما اسم هذا الموضع؟ فقال بعض الرهبان: نجد في كتبنا المتقدمة أنه موضع يسمى سر من رأى، وأنه كان مدينة سام بن نوح، وأنه سيعمر بعد الدهور على يدي ملك جليل مظفر منصور له أصحاب كأن وجوههم طيور الفلاة، ينزلها وينزلها ولده، فقال: أنا والله أبنيها وأنزلها وينزلها ولدي من بعدي، ولقد أمر الرشيد يومًا أن يخرج ولده إلى الصيد فخرجوا فخرجت مع محمد والمأمون وأكابر ولد الرشيد واصطاد كل واحد منهم صيدًا وصدت بومة ثم انصرفنا وعرضنا صيدنا عليه، فجعل من كان معنا من الخدم يقول: هذا صيد فلان وهذا صيد فلان حتى عرض عليه صيدي فلما رأى البومة، وقد كان الخدم أشفقوا من عرضها عليه لئلا يتطير بها أو تنالني منه غلظة، فقال: من صاد هذه؟ قالوا أبو إسحاق، فاستبشر وضحك وأظهر السرور ثم قال: إما إنه يلي الخلافة ويكون جنده وأصحابه والغالبون عليه وجوههم مثل هذه
(١) هكذا وردت هذه المادة دون تعريف، وعند ياقوت أن سامان من محال أصبهان، وهناك سامان أخرى وهي قرية بنواحي سمرقند.
(٢) عن اليعقوبي: ٢٥٥ - ٢٦٨.
(٣) اليعقوبي: لآل.
(٤) لم يذكر اليعقوبي: بغا الكبير.
(٥) اليعقوبي: مد.
(٦) ص ع: أن موضعًا.
1 / 300