468

قوت القلوب

محقق

د. عاصم إبراهيم الكيالي

الناشر

دار الكتب العلمية - بيروت

الإصدار

الثانية

سنة النشر

١٤٢٦ هـ -٢٠٠٥ م

مكان النشر

لبنان

وقد كان أحمد بن حنبل ﵀ أمر أبا بكر المروزي أن يعطي بعض الفقراء شيئًا فيه فضل عمّا كان استأجره عليه فرده، فلما ولّي قال له أحمد: ألحقه فادفعه فإنه يأخذه قال: فلحقه المروزي فدفعه إليه فأخذ، فسأل أحمد عن ذلك: كيف رد في الأوّل وأخذ في الثاني؟ فقال: إنه كان قد استشرف لذلك فرده، وقد أحسن فلما انصرف أيست نفسه منه فلذلك قبل، وقد كان الخوّاص إذا نظر إلى عبد في العطاء أو خاف اعتياد النفس له، لم يقبل منه شيئًا، وكان يقول: صوفي لا يكون بحريف، وهذا كله يحسن في حال المنفرد، فأما ذو العيال فالأمر عليه واسع من ذلك، ولابأس أن يأخذ لعياله كما أخذ لأجل غيره من الناس، لأن عياله عيال الله عنده، قد وكله بهم وأجرى أرزاقهم على يده، فإن طلب لهم وحث على استخراج حقهم ممّا أوجب الله لهم لم ينقص ذلك من حاله، وآخى رسول الله ﷺ بين سعد بن الربيع وبين عبد الرحمن بن عوف، فقال له سعد: أشاطرك مالي وأهلي، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق، فعمل يومه ذلك فراح بشيء من سمن وأقط، فلو كان التكسب في الأسواق ينقص التوكل لم يختر عبد الرحمن وهو إمام الأئمة ما ينقص توكله، ولكنه أحب إدخال المشقة على نفسه وكره التنعم، كما قال رسول الله ﷺ لمعاذ: إياك والتنعم؛ فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين، ورؤي فضالة بن عبيد أشعث أغبر جافيًا وهو أمير مصر، فقيل له: لِمَ أنت هكذا؟ فقال: إن رسول الله ﷺ نهانا عن الإرفاه وأمرنا أن نحتفي أحيانًا، ثم اختار عبد الرحمن أيضًا إيثار أخيه بما أبره به رعاية لحق إخوته ولأن الله تعالى قد ندب إلى الإيثار ووصف به الأحباب، وأعلى من عبد الرحمن مقامًا إمام الأئمة أبو بكر الصديق ﵁، لما بويع بالخلافة أخذ الأثواب تحت حضنه ودخل السوق ينادي: هذا في أتم أحواله، حين أهل للخلافة وأقيم مقام النبوّة، حتى اجتمع المسلمون فكرهوا له ذلك فقال: لا
تشغلوني عن عيالي، فإني إن أضعتهم كنت لما سواهم أضيع، حتى فرضوا له قوت أهل بيت من المسلمين، لا وكس ولا شطط فلما رضوا جميعًا بذلك وأنفقوا عليه، ترك السوق لشغله بهم وبأمورهم؛ ألا تراه كيف آثر القيام بحقه وما أوجب الله عليه لأهله، وتواضع لله في حال رفعته، وأسقط الخلق عن عينه، حتى كره المسلمون ذلك فتركه بحكم ثان، فكذلك التوكل لا يزال مع الحكم الأوّل، حتى ينهج الله له طريقًا آخر فيسلكه بطريق ثان، وقد كان بعض علماء السلف يجمع إليه الناس للكلام عليهم فكان يقول: لو أعلم

2 / 27