نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار
محقق
علي الزواري، محمد محفوظ
الناشر
دار الغرب الاسلامي
الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٩٨٨ م
مكان النشر
بيروت - لبنان
نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار
تأليف
محمود مقديش
تحقيق
علي الزواري - محمد محفوظ
دار الغرب الإسلامي
صفحة غير معروفة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تصدير
مضت سنوات منذ أن خامرتنا الفكرة الأولى في تحقيق «نزهة الأنظار» ثم العزم على القيام بهذا التحقيق ومحاولة العمل عليه، فاستحال لعدم حصولنا على نسخة من مخطوطة شيخ الإسلام أحمد عارف حكمت بالمدينة المنورة وهي ضرورية، ثم الشروع فيه لما تيسرت الظروف وحصلت لدينا نسخة من هذه المخطوطة بفضل صاحب دار الغرب الإسلامي السيد الحبيب اللمسي، جزاه الله كل خير.
ولم يكن استقرار عزمنا بدون تردد، هل هذا الكتاب، الذي طبع بالحجر في سنة ١٣٢١/ ١٩٠٣ م، لما كانت الطباعة والنشر في تونس في الخطوات الأولى، يستحق ترك مشاغلنا وتخصيص كل أوقاتنا له، والعناء الطويل، لينشر بين الناس باحثين وقراء؟
وللمختصين، آراء مختلفة في «نزهة الأنظار»، وبعضهم ممن تباحثنا معهم في الموضوع يرون فيها أثرا لا يستحق الإهتمام والجهد والنشر لإعتبارهم أن مؤلفها نقل عن غيره دون اجتهاد من نفسه، ولا يمكن فعلا لأي قارئ أن يكون له غير هذا الرأي إن اكتفى بتقليب الجزء الأول من هذا الأثر، ومع ذلك خالف الصغير نور الدين هذه الآراء. وقال: «إن النقل الذي قام به مقديش من المصادر التي كتبها أسلافه جعلته يكتب كتابا رائعا ممتازا» (١).
وعند بقية الناس، في مدينة صفاقس، خاصة يعتبر هذا الكتاب من النفائس المفقودة المطلوبة - وكل مفقود نفيس - ويعتبره هؤلاء الناس، معدن أخبار صفاقس ورجالها وعائلاتها، ومن له نسخة أو وريقات منه صار يعتز بها،
(١) Temps et espace chez Maqdish - أطروحة دكتوراه مرحلة ثالثة، مرقونة، جامعة السربون، سنة ١٩٨٣ - ١٩٨٤ ص: ٤٢.
مقدمة / 5
ويخفيها، ويتباهى بها، ويضن بها على من شوقوه إليها، فصار الكتاب أسطورة.
وتعطش الناس إليه توالى على مر الزمن، ومرجعه إلى فقدانه من أصله، إذ صادرته الحكومة التونسية لما ظهر، ولعل سبب ذلك ما أبداه مؤلفه فيه من تقدير لعلي باشا الأول المنازع لسلطة عمه حسين بن علي وذريته، حكام تونس، فقال كراتشكوفسكي في ذلك: «ويبدو أنه قد مسّ مسائل معاصرة لأن حكومة تونس صادرته على الفور ولم ينشر الكتاب» (٢). وكتب أحمد بن أبي الضياف عن قلة انتشار تآليف مقديش رغم معرفة الناس له فقال: «وكتب تاريخه المعروف ولم نر تآليفه لأنها لم تصل إلى حاضرة تونس» (٣)، وكما قال محمد مخلوف في نفس الإتجاه: «وتاريخه غالبه في صفاقس وعلمائها» (٤).
ويرجع تعطش الناس إلى هذا المؤلف أيضا إلى مادة الكتاب، فالمؤلف أرخ لمدينته، بناء على طلب كما ذكر في مقدمته، وفي اتجاه معين يستجيب لميول دينية، وبطولية وملحمية، وخرافية كما نفهم من اختياره، وتقصيره أو تمديده لمختلف مواد الكتاب، ويستجيب لمستويات متوسطة في الفهم والثقافة باستعمال لغة بين العامية والفصحى، فنزهة الأنظار كتاب تاريخ، وأسطورة، ومعتقد ديني، وأخبار اجتماعية، يقرأ ويحكى، الوحيد في شكله الذي يداعب شعور أهل صفاقس ويستجلبهم للبحث فيه عن ذاتهم وأصولهم، لعدم مزاحم له.
وشغف الناس بالمفقود، وارضاء طلباتهم المتكررة لنشره، سبب من الأسباب التي دعتنا لتحقيقه، وليس السبب الوحيد ولا الأساسي، فالذي دعانا إلى تحقيقه أساسا، وإرضاء رغبات الناس في آن واحد، سببان متكاتفان:
استعماله كمرجع للبحث التاريخي، وإصلاح الأخطاء التي وردت في مخطوطاته، وخاصة النسخة المطبوعة المستعملة لدى الباحثين.
فنزهة الأنظار كتاب له قيمة لا يمكن نكرانها رغم نقائصه التي سنبينها في المقدمة، وإن كانت فائدة الجزء الأول من الكتاب محدودة فإن الجزء الثاني له أهمية خاصة وأهمه الخاتمة التي يؤرخ فيها المؤلف لمدينته، وهي ثلث الكتاب بجزئيه وهو في هذا ينفرد بما لم يسبقه إليه غيره، ولا من لحق بعده من المؤرخين، فيضيف عن طريق التاريخ الجهوي، الذي أخذ حديثا مكانته في مفاهيم التاريخ الحديث،
(٢) تاريخ الأدب الجغرافي عند العرب، ترجمة صلاح الدين عثمان هاشم، القاهرة ١٩٦٣، ٢/ ٧٦٨.
(٣) إتحاف أهل الزمان، تونس ١٩٦٥، ٧/ ٨٦.
(٤) شجرة النور الزكية، ص: ٣٦٦.
مقدمة / 6
أضواء جديدة على التأريخ التونسي، فمدينة صفاقس جزء من التراب التونسي، وتاريخها جزء من تاريخ هذه البلاد، ولون من ألوانه.
وبهذا أخذ محمود مقديش مكانته بين المؤرخين التونسيين، فترجم له ابن أبي الضياف في الإتحاف، ومحمد مخلوف في شجرة النور الزكية، وكراتشكوفسكي في الأدب الجغرافي، ونالينو (Nallino) في مقالة طويلة نشرها ضمن مئوية أماري (٥) وأدرجه أحمد عبد السلام ضمن المؤرخين التونسيين في أطروحته (٦)، ومحمد محفوظ في تراجم المؤلفين التونسيين (٧)، وغيرهم، وأخذ كتابه «نزهة الأنظار» مكانه بين كتب التراث التاريخي، وصار يستعمل مرجعا في كتابة التاريخ الحديث المتعلق بالمدن، والإقتصاد، والإجتماع، وعلاقة المغرب بالمشرق أثناء القرن الثامن عشر، وقلما تنشر دراسة في هذه الأبواب دون الإشارة إليه والإعتماد عليه، وخصص له الصغير نور الدين أطروحة دكتوراه، المرحلة الثالثة ناقشها في جامعة السربون سنة ١٩٨٣ - ١٩٨٤ سمّاها» «Temps et espace chez Maqdish»: الزمان والفضاء عند مقديش» وقال فيها اعتمادا على محمد الهادي الشريف في مقالته حول التاريخ الإقتصادي والإجتماعي التونسي في القرن الثامن عشر من خلال المصادر المحلية (٨) «إنّ كتاب مقديش له ميزة خاصة، اعتبارا للمصادر المختلفة التي نقل عنها، وهو يمثل في آن واحد عملا فريدا متميزا لأن مؤلفه ينتمي إلى مدينة ثانوية، وله ارتباط بالوسط التجاري، ولأنه مثقف أيضا يمتثل في كتابته للقواعد التقليدية» (٩).
فإن كان هذا هو اعتبار الكتاب واستعماله، فمن المفيد بل من اللازم تنقيح هذا المرجع وتيسير استعماله، وعلى ذلك عزمنا وشرعنا أملنا التوفيق والإفادة، وبالله نستعين، وعليه نتوكل.
(٥) Venezia a Sfax Nel Secolo XVIII Secondo il crovista arabo Maqdish.
(٦) Les historiens tunisiens des XVII،XVIII et XIX siecles باريس ١٩٧٣.
(٧) دار الغرب الإسلامي، ٤/ ٣٥٦ - ٣٦٤.
(٨) «L' histoire economique et sociale de la Tunisie au XVIII siecle a travers les sources locales»، in: les arabes par leurs archives de J. Becque، pp. ١١٦ - ١١٧
(٩) المصدر السابق، ص: ٤١.
مقدمة / 7
المقدّمة
١) فكرة عن الحياة العلمية والثقافية بصفاقس في عصر المؤلف
لقد عرفت الحركة العلمية والتعليمية في البلاد التونسية تراخيا ثم ركودا في أواخر أيام الدّولة الحفصية، بعد أيام عزّ وتقدم، حملت رايتها تونس مركز الإمارة، وتحول هذا التراجع الذي سببته الفتن وتدهور الحياة السياسية والإقتصادية، وغموض المصير إلى نكسة خطيرة مع الإحتلال الإسباني، فهاجر علماء تونس، وحرمت البلاد من شعاع هذه المدينة عليها.
ومدينة صفاقس لم تكن أوفر حظّا من بقية البلاد، فقد عرفت في تلك المدة اضطرابات واسعة وانطوت على نفسها لما استقل بها المكني، ثم انعزلت عن عاصمتها لمدة ٣٨ سنة (١) وقل عدد سكانها، وفشا فيها الفقر والجهل، واضطربت فيها نظم الحياة، ولم تتحسن حالتها إلاّ بعد أن رجعت إلى حظيرة عاصمتها الأولى في سنة ١٥٩٤ (٢).
لم يبق لنا ما يشير إلى التعليم والعلماء في تلك الفترة من القرن السادس عشر والسابع عشر إلاّ اليسير من المعلومات، نستشفه من بعض الأخبار التي وردت في التراجم والسير.
وما من شك أن الكتاتيب كانت تعمل بالمساجد والزوايا، إذ لم يبق لنا في خصوصها شيء من الوثائق، وبضياع هذه الوثائق لا يمكن لنا التعرف على عددها ومستوى التعليم بها، غير أننا نعرف أن الراغبين في العلم اتبعوا طريقة أسلافهم في التنقل إلى العاصمة التي بدأت ترجع إليها الروح الثقافية مع المراديين، والتنقل إلى الأزهر بمصر أيضا، طبقا لسنة قديمة، ومن بينهم أبو الحسن الكراي وعبد العزيز الفراتي الأول وعلي النوري. . .
(١) علي الزواري: صفاقس في القرن السادس عشر، مجلة القلم، صفاقس، عدد ٢، ١٩٧٤، ص: ٣ - ٤.
(٢) عزيز سامح: الأتراك العثمانيون بإفريقيا الشمالية، بيروت ١٩٦٩، ص: ٢٨٩.
مقدمة / 9
وحملت مشعل التعليم والعلم في تلك الفترة أسر ثلاث: أسرة الفراتي، وأسرة الشرفي، وأسرة الكراي.
أما أسرة الفراتي فقد قال في شأنها حسين خوجة عند ترجمته لعبد العزيز بن محمد الفراتي «وهو من دار علم من قديم الزمان، وهو عاشرهم كلهم علماء أعلام» (٣).
وأما أسرة الشرفي فقد اهتمت بعلوم الميقات والجغرافيا، وبرز منها علي بن أحمد بن محمد الشرفي الذي وضع في سنة ١٥٥١ م أطلسا في ثماني ورقات لسواحل البحر الأبيض المتوسط تملك منه المكتبة الوطنية بباريس نسخة فريدة (٤).
وقد ألحق أفراد آخرون من أسرة الشرفي نماذج أخرى للعالم تمثل في جوهرها صورة منقحة لخارطة الإدريسي، ترجع إلى سنوات ١٥٧٢، ١٥٧٩ و١٦٠١، وأهمها الخارطة التي وضعها محمد ابن علي الشرفي، وتحدث عنها كراتشكوفسكي اعتمادا على دراسات قام بها كل من ميللر وأماري (٥).
أما أسرة الكراي فهي مشهورة بحركتها الدينية، الصوفية النزعة، المنتمية إلى الحركة الوفائية الشاذلية، وقد برز فيها أبو الحسن بن أبي بكر المتوفي سنة ١٧٠٣ م وهو من أحفاد الشيخ علي الكراي أبي بغيلة معاصر سيدي أحمد بن عروس، نعته محمد محفوظ في تراجم المؤلفين التونسيين «بالعالم الصوفي الوفائي نسبا وطريقة» (٦) أنشأ زاوية بصفاقس بعد رحلته إلى الأزهر «واشتغل بنشر العلم وانتفع به جماعة من أهل بلده منهم خليفته على الزّاوية الشّيخ محمد المراكشي ومنهم كذلك الشيخ علي النوري».
ويمثل رجوع الشّيخ علي النوري من مصر إلى مسقط رأسه في أواخر سنة ١٠٧٨/ ١٦٦٨ م وتأسيسه لزاويته وفتحها للتدريس منعرجا في حياة صفاقس الثقافية والدينية، إذ أعطت شرارة نهضتها، فكان الشيخ علي النوري الذي وصفه حسين خوجة «بالمربي، والمدرس، ومحيي السنة. . .» رائد هذه النهضة. ورآى بعضهم حلوله في مدينته كالغيث في البلد القاحل الجديب، أروى العقول من ظمإ الجهل.
وكان للزّاوية النّورية إشعاع، وتأثير كبير في تكوين الطّلبة الذين أتقنوا دراستهم عن الشّيخ علي النوري، وعن شيوخ البلد غيره وأهمهم عبد العزيز الفراتي، وتوزع بعضهم في مساجد المدينة وزواياها، ينشرون التربية والعلوم التي تلقوها، ونذكر منهم محمد وأحمد ولدا الشيخ علي، اللذان أخذا مشعل الزاوية بعد وفاة والدهما، وعلي بن محمد المؤخر الذي كان حيا في سنة ١١١٨ هـ - ١٧٠٦ م، أخذ عن الشيخ علي النوري علوم اللسان والشريعة والميقات والحساب، وتولى الإمامة والتدريس والتجويد بضريح الشيخ سيدي أبي الحسن اللخمي، ومحمد الغراب الذي خلفه بنفس
(٣) حسين خوجة: ذيل بشائر أهل الإيمان بفتوحات آل عثمان، تحقيق الطاهر المعموري، الدار العربية للكتاب، ١٩٧٥، ص: ١٢٨.
(٤) القسم العربي عدد ٢٢٧٨.
(٥) تاريخ الأدب الجغرافي ١/ ٤٥٦.
(٦) ٤/ ١٥٥.
مقدمة / 10
المقام بعد وفاته، ومنهم رمضان بو عصيدة الذي استقر بزاوية الصّفار، وإبراهيم المزغني الذي اشتغل بمقام سيدي عبد الرحمان الطبّاع، ومحمد الزّواري، ومحمد بن محمد الشّرفي الذي تصدر للتدريس فيما بعد بالزاوية الحسينية.
وتعزز التدريس بصفاقس بجانب الزاوية النورية بالحركة التي كان يقوم بها الشّيخ عبد العزيز الفراتي بالجامع الكبير، وتعزّز كذلك بالمدرسة الحسينية التي أحدثها حسين بن علي في سنة ١١٢٦/ ١٤ - ١٧١٥ م، وتصدر للتدريس بها أوّلا الشيخ محمد ابن المؤدب محمد الشّرفي الذي أنهى تكوينه كالشيخ علي النوري وعبد العزيز الفراتي بمصر.
وكانت الزاوية النورية طيلة حياة الشيخ علي، وبعد وفاته مع ابنيه محمد وأحمد وأحفاده، والمدرسة الحسينية أيضا أهم المدارس في صفاقس خلال القرن الثامن عشر، وكان مستوى التدريس بها هو مستوى مشايخها الذين يدرسون بها، رفيعا، وكان بعض الطلبة يكتفي بما يتلقاه فيهما ليصبح فقيها أو ميقاتيا أو شاعرا.
وهكذا تعددت أماكن التدريس، وتعدد المدرسون المتكونون في مختلف فنون المعرفة التي أخذوها عن مشايخهم وغيرها من مراكز التعليم في الإيالة وخارجها، وانتشرت الثقافة بين الناس ونبغ بعضهم في مختلف نواحيها.
وهذه النهضة ليست مستقلة بذاتها، إذ هي وجه من النهضة الثقافية التونسية في القرن الثامن عشر، البارزة في تونس العاصمة، وترجع أسبابها إلى عدة عوامل منها الإستقرار السياسي والتقدم الإقتصادي، واعتناء الحكام بها منذ قيام الدولة الحسينية ببناء المدارس وتكوين المكتبات، وتنظيم التدريس بالزيتونة، وإكرام أهل العلم، وإجراء المرتبات لهم والإحسان إلى الطلبة.
ويمكن أن نقسم فنون المعرفة التي راجت في صفاقس إلى أقسام ثلاث:
- القسم الديني الذي يشمل الفقه والأحكام والأصول والفرائض والقراءات والحديث والتفسير وكل من سبق ذكرهم كان له باع فيها.
- قسم الرياضيات وله ارتباط بالأول ويتعلق بالحساب، والفلك، والميقات، وصناعة الأرباع، وقد برع فيها بعض أفراد عائلة الشّرفي بجانب تضلعهم في العلوم الأخرى، وأهمهم محمد ابن المؤدب محمد الشّرفي وابنه أحمد القاضي وحسن بن أحمد الشّرفي.
- الأدبيات: النحو والشعر والأدب والتاريخ.
ومن شعراء الجيل الأول: محمد ابن المؤدب الشّرفي، وبعده برع في قرض الشعر ثلاثة آخرون تعاصروا: علي ذويب، وإبراهيم الخراط، وعلي الغراب، وكانوا رفقاء وزملاء تتلمذوا على الطيب الشّرفي وعلي الأومي ومحمد بن علي الفراتي.
وانفرد في كتابة التاريخ محمود مقديش - المترجم له - إذ لم تكن صناعة التاريخ في مدينته من الآداب الرائجة أو المطلوبة، ولم تكن علما قائما بذاته يدرس. وقد يرجع ميل محمود مقديش إلى هذه المادة إلى عدة عوامل، مرتبطة ببعضها: تعاطيه نسخ الكتب عندما كان مجاورا الأزهر، واعتقاده أن
مقدمة / 11
التاريخ علم نبيل لفوائده، فهو في رأيه «من أفضل العلوم نفعا وأشرف المزايا قطعا» (٧) وأهم الأسباب إلحاح بعضهم عليه لكتابة «مغازي الصحابة، ومغازي المجاهدين، ومغازي العساكر العثمانية مع تقييد أحوال أمراء الإسلام القائمين بحفظ المغرب من الفتح الأول، وتحديد المغرب برا وبحرا وذكر بلدانه، مع ذكر أهل الفضل من العلماء والصالحين بخصوص صفاقس، وذكر أحوالها مع ذكر ما تيسر من فضلاء غيرها» (٨).
فنزهة الأنظار تبدو وكأنّ مؤلفها صنّفها لإرضاء طلب، ولكن الطلب التقى مع رغبته، فتمت رغم صعوبة السعي إليها الذي لخصه في مقدمتها بقوله: «فرأيت فيما دون ما طلب خرط القتاد سيما من مثلي ممن لا مادة في تعاطي هذا الخطب العظيم الشأن، ومع ذلك فلست أعد نفسي أهلا لأن أكون من فرسان هذا الميدان» (٩).
وفي السنوات الأخيرة من القرن الثامن عشر لاحت بوادر تدهور الحياة التعليمية والعلمية في صفاقس خلال القرن التاسع عشر، وربط محمود مقديش عدم إقبال الناس على التعلم والتعليم بإقبالهم على الدّنيا وتشبثهم بها فقال معلّلا صعوبة الكتابة: «وأحرى وأنا في بلد مطروح في زوايا الإهمال لإقبال أهله على تحصيل الدينار والدرهم والسعي على العيال» (١٠)، ونرى من جهتنا أن هذا التدهور مرتبط أيضا بعمل الطّاعون الجارف الذي انتشر في سنة ١١٩٩/ ١٧٨٦ م فقد أخذ من المؤدبين والمدرسين ومن بقية العلماء عددا وافرا نذكر منهم حسن بن أحمد الشّرفي الفقيه والحيسوبي الفلكي، والشاعرين علي ذويب وإبراهيم الخراط، ومحمد المصمودي القاضي، وعلي المصمودي الفقيه النحوي وغيرهم. وكان عمل الطاعون فاحشا في الناس إلى حد أنه عطل سير حركة العلم والتعليم في وقته وبعده أيضا بموت العديد من رواد الحركة.
وقد لخص لنا ذلك محمود مقديش في كلمة معبرة أتت في مقدمة كتابه فقال: «فتصفحت ما لديّ من مادّة فإذا هي بضاعة مزجاة وقد جرف الطّاعون من بلادنا من كنا نعده من الرواة» (١١).
ومحمود مقديش بالنسبة لمدينته واعتبارا لحياته وثقافته ومستوى كتابته، يمثل حدا فاصلا بين عصرين متباينين ثقافيا، القرن الثامن عشر المزدهر، والقرن التاسع عشر الذي نزلت فيه المعرفة والتدريس والكتابة وإقبال الناس على التعلم، درجات.
اعتبره كراتشكوفسكي، نظرا لتاريخ وفاته من مؤرخي القرن التاسع عشر القلائل وكذلك اعتبره أحمد عبد السلام إذ ابتدأ به تقديم المؤرخين التونسيين في هذه الفترة، اعتمادا على تاريخ وفاته أيضا، ولاحظ في آن واحد «أن مؤلفه نزهة الأنظار يندرج ضمن الأعمال التاريخية الراجعة إلى نهاية القرن الثامن عشر إذ أن الأحداث الأخيرة التي ذكرها مؤرخة في محرم من سنة ١٢٠٥ / سبتمبر أكتوبر ١٧٩٠ م» (١٢).
(٧) النزهة ص: ٣٦.
(٨) النزهة ص: ٣٦ - ٣٧.
(٩) النزهة ص: ٣٧.
(١٠) النزهة ص: ٣٧.
(١١) النزهة ص: ٣٧.
(١٢) Les historiens، ص: ٢٧٤.
مقدمة / 12
٢) المؤلف (١)
أ - نسبه وحياته:
هو محمود بن سعيد مقديش (بفتح الميم والقاف المعقدة الساكنة والدال المهملة المكسورة) الفقيه المؤرخ المشارك في علوم.
ولد بصفاقس، في سنة ١١٥٤/ ١٧٤٢ م، ونشأ في عائلة نبيهة من أنبه بيوت صفاقس أصلها من أنشلة (Usulla) وتنسب إلى سيدي مخلوف الشّرياني إحدى قرى صفاقس من الجهة الشرقية، وتربى تربية صالحة، فقضى معظم حياته بين طلب العلم والتدريس والتأليف معتمدا على نفسه، مستهينا بالصّعاب والعقبات في عصامية نادرة لا يثبطها ولا يثني عزمها أحرج الظروف المادية.
تلقى العلم في مبتدأ أمره عمن أدركه ببلده من تلامذة الشيخ علي النوري كالشيخ محمد الزواري، والمحدث المفسر الشيخ رمضان بو عصيدة، وأخذ الفقه عن المقريء الفقيه الرياضي الشيخ علي الأومي، وشاركه في شيوخه التونسيين والمصريين، والشيخ محمد الدرناوي الليبي عند إقامته بصفاقس قبل أن يستقر نهائيا بالحاضرة، ثم التحق بجامع الزيتونة، ولقي أعلامه كالشّيخ قاسم المحجوب، والشّيخ محمد الشّحمي كبير علماء المعقولات في عصره والشيخ المحدث الفقيه الرحالة عبد الله السوسي السكتاني المغربي، وهو من شيوخ الشيخ علي الأومي، وعاقته قلة ذات اليد عن إرواء غلته من طلب العلم والإقامة بتونس، فانتقل إلى الزاوية الجمنية بجربة التي تتكفل بالإنفاق على الطلبة المقيمين بها من ريع أوقافها ومن تبرعات أهل الفضل والإحسان، وقرأ هناك مختصر الشيخ خليل بشرح الشيخ محمد الخرشي وشرح الشيخ عبد الباقي الزرقاني على الشيخ إبراهيم الجمني الحفيد، والشيخ أحمد بن عبد الصادق الجبالي العيادي الليبي، ثم جاور بالأزهر وهو كهل متزوج له ذرية، فأخذ العلوم الرياضية عن الشّيخ أحمد الدمنهوري وحسن الجبرتي والد المؤرخ عبد الرحمان، وأخذ عن الشيخ علي الصعيدي الفقه والحديث، وقرأ على غيرهم من شيوخ الأزهر.
ولا نعلم تاريخ التحاقه بالأزهر، ومدة اقامته بمصر سوى ما ذكره في القسم الأول من تاريخه الخاص بالجغرافيا أنه كان موجودا بالإسكندرية سنة إحدى ومائتين وألف / ١٧٨٦، ولعل ذلك كان لعرض التجارة.
وكان مدة مجاورته بالأزهر ينسخ الكتب الثمينة، ثم يؤوب إلى بلده صفاقس، ويبيع ذلك إلى علماء المدينة، ويترك محصول ذلك لزوجته وذريته، ويرجع إلى القاهرة لاستكمال قراءته، وبعد تخرجه من الأزهر انتصب للتدريس مجانا ببلده، قال الشيخ ابن أبي الضياف: «ولما تضلع من العلوم رجع إلى بلده صفاقس فأفاد وأجاد ونفع العباد، وتزاحمت على منهله الورّاد، وأفنى عمره في هذا
(١) يوجد بالمكتبة الوطنية بتونس مخطوط مسجل تحت رقم ٢٣٥ به ترجمة محمود مقديش وكاتبها مجهول ويبدو من النص أنه أحد تلاميذ من أخذوا عن هذا المؤرخ، وركز فيها على انتاجه وصفاته.
مقدمة / 13
المراد وأتى بما يستجاد فتلاميذه بصفاقس أعلام وأيمة في الإسلام، وكان متخلقا بالإنصاف سمح بما عهد فيه من محمود الأوصاف» (١٤).
وكان لا يقتصر في تدريسه على أسلوب الإلقاء والتلقين، بل يستخدم الأسئلة عن المشاكل والقواعد في قالب قصصي مخترع لاختبار ذكاء الطلبة، ومعرفة ما هضموه من معلومات، وتروى له حكايات يرويها بعضهم إلى اليوم.
ولبث ببلده مقسما أوقاته بين التدريس والتأليف واحتراف التجارة لكسب قوته متجافيا عن الوظائف الرسمية إلى أن هاجر إلى القيروان في آخر حياته إذ توفي بها، وحمل جثمانه إلى صفاقس.
واختلف في تاريخ وفاته، ذكر أحمد بن أبي الضياف في الإتحاف ومحمد مخلوف في شجرة النور الزكيّة وأشار أحمد عبد السلام في أطروحته حول المؤرخين التونسيين أنه توفي في سنة ١٢٢٨/ ١٨١٣ م وهو التاريخ الذي ورد في المخلوط المشار إليه وفي ملحق الطبعة الحجرية وأثبته محمد محفوظ في تراجم المؤلفين مع شيء من الحذر إذ رآه إضافة لنص المؤلف فقال: «فلعل هذه الزيادة كتبت في الهامش فأضافها بعض النساخ إلى صلب الكتاب، وهذه الزيادة شديدة الإختصار مباينة لأسلوب الكتاب» (١٥).
ويرى نالينو (Nallino) أن هذا التاريخ قد يخالف الواقع إعتمادا على أحد فهارس مكتبة جامع الزيتونة، المسجل تحت عدد ٦٢٣٣ صفحة ٦٢ إذ جاء فيه نقلا عن الفرنسية: «توفي في سنة ١٢٢٨ حسب المؤرخ ابن أبي الضياف، أو في سنة ١٢٢٩ هـ حسب الباش مفتي الفراتي بصفاقس، وهو أحد تلاميذ المؤلف، وهذان التاريخان يخالفان الواقع لأن محمود مقديش لم يكمل تاريخه إلاّ في سنة ١٢٣٣ هـ» (١٦). ويضيف نالينو أن مقديش تحدث فعلا عن محمود باشا الذي استمر حكمه إلى سنة ١٢٣٣ هـ، ونقل كراتشكوفسكي خلاصة نالينو وأثبت أنه توفي بعد عام ١٢٣٣ هـ - ١٨١٨ م.
وتعليل نالينو لإسقاط سنة ١٢٢٨ كتاريخ لوفاة المؤلف ساقط من أساسه، وميله إلى سنة ١٢٣٣ في غير محله، فنالينو اعتمد في كل ذلك على ما جاء في آخر الباب الأول من المقالة الحادية عشرة عن محمود باشا حيث قيل في - النسخة المطبوعة - «وهو أمير عصرنا سنة ثلاثة وثلاثين ومائتين» (١٧) ولم يهتم هذا المستشرق بما جاء قبله عن حمودة باشا الذي قال عنه مقديش «فهو سلطان وقتنا أقر الله به أعيننا» (١٨) فهذا التكرار المنافي للمنطق يجعلنا نثبت أن الأخبار القليلة التي وردت عن محمود باشا تمثل زيادة عن الأصل من أحد النساخ، وتنبه لها أحمد عبد السلام ورآى أن سنة ١٢٣٣ تمثل تاريخ الإنتهاء من نسخ المخطوطة التي اعتمدتها الطبعة الحجرية فقال: «إن آخر الأحداث التي تعرض إليها
(١٤) الإتحاف ٧/ ٨٥.
(١٥) ٤/ ٣٦٢.
(١٦) Venezia، المصدر السابق ص: ٥.
(١٧) ٢/ ٧٢.
(١٨) ٢/ ٧١.
مقدمة / 14