1188

اللباب في علوم الكتاب

محقق

الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض

الناشر

دار الكتب العلمية

الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٤١٩ هـ -١٩٩٨م

مكان النشر

بيروت / لبنان

الحج: ١٥] ثم أطلق على كلِّ ما يُتَوَصَّلُ به إلى شَيْءٍ، عَيْنًا كان أو معنى، وقيل للطَّريق: سَبَبٌ؛ لأنَّك بسُلُوكِهِ تَصِلُ إلى المَوْضع الذي تريدُهُ؛ قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٥] أي: طريقًا، وأسبابُ السَّموات: أَبوابُها؛ قال تعالى مُخْبِرًا عن فِرْعُونَ:
﴿لعلي أَبْلُغُ الأسباب أَسْبَابَ السماوات﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧] وقد تُطْلَقُ الأسبابُ على الحوادِثِ؛ قال زُهَيْرٌ: [الطويل]
٨٨٣ - وَمَنْ هَابَ أَسْبَابَ الْمَنَايَا يَنَلْنَهُ ... وَلَوْ نَالَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بِسُلَّمِ
وقد يُطْلَق السَّبَب على العِلْمِ؛ قال ﷾: ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٤] أي؛ عِلمًا، وقد وجد هنا نَوعٌ منْ أنواع البَدِيع، وهو التَّرْصِيع، وهو عبارةٌ عن تسجيع الكلامِ، وهو هنا في موضعين.
أحدهما: ﴿اتبعوا مِنَ الذين اتبعوا﴾؛ ولذلك حذف عائد المَوْصُول الأوَّل، فلم يَقُلْ ﴿منالذين اتبعوهم﴾؛ لفواتِ ذلك.
والثَّاني: ﴿وَرَأَوُاْ العذاب وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسباب﴾، وكقوله ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] .
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الذين اتبعوا﴾، يعني: الأَتْبَاع: ﴿لَوْ أَنْ لنَا كَرَّةً﴾ أي: رجعةً إلى الدُّنيا، والكرَّةُ: العودَة، وفِعْلُها كَرَّ يَكُرُّ كَرًّا؛ قال القائل في ذلك: [الوافر]
٨٨٤ - أَكُرُّ عَلَى الْكِتيبَةِ لاَ أُبَالِي ... أَفِيهَا كَانَ حَتْفِي أَمْ سَوَاهَا
قوله تعالى: «فَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ» منصوبٌ بعد الفاءِ ب «أنْ» مضمرة في جواب التمنِّي الَّذي أُشْرِبَتْهُ «لَوْ» ولذلك أجيب بجواب «لَيْتَ» الذي في قوله:
﴿ياليتني
كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٣] وإذا أُشْرِبَتْ معنى التمنِّي، فهلْ هي الامتناعيَّةُ المفتقرة إلى جوابٍ، أم لا تحتاجُ إلى جوابٍ.
الصحيحُ: أنها تحتاجُ إلى جوابٍ، وهو مقدّر في الآية الكريمة تقديرُهُ تَبَرَّأْنَا ونحو ذلك، وأَمَّا مَنْ قال بأنَّ «لَو» الَّتي للتمنِّي لا جوابَ لها؛ فاستدَلَّ بقول الشَّاعر: [الوافر]
٨٨٥ - وَلَوْ نُبِشَ المَقَابِرُ عَنْ كُلَيْبٍ ... فَيُخْبَرَ بالذَّنائِبِ أَيُّ زِيرِ

3 / 146