نهاية الرتبة في طلب الحسبة

الناشر

مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر

مكان النشر

القاهرة

كتاب نهاية الرتبة في طلب الحسبة
تأليف
عبد الرحمن بن نصر الشيزري
قام على نشره
السيد الباز العريني
مدرس بمدرسة الخديو إسماعيل الثانوية
بإشراف
محمد مصطفى زيادة
أستاذ تاريخ العصور الوسطى بجامعة فؤاد الأول
القاهرة
مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر
(١٣٦٥ - ١٩٤٦)

المقدمة / 1

تصدير لكتاب نهاية الرتبة في طلب الحسبة للشيزري
يُخيَّل إليّ أنَّ التاريخ الاجتماعي، وهو طورٌ لا ريب جديد في مدارج البحث التاريخي، سيصبح عما قريب هو النوع الوحيد الذي تصحّ تسميته تاريخًا عند الإطلاق؛ وسيتعين على المؤرخين آنذاك في المستقبل أن يسمّوا ما عدا هذا النوع من الأبحاث التاريخية بأسماء مركبة، فيقولون التاريخ السياسي، والتاريخ الدستوري، والتاريخ الاقتصادي، والتاريخ الحربي، وهَلُمَّ جرّا. ولست أرتجل هذه الفكرة حبًا في الطلوع برأي غير مألوف، كما أني لست ألقى القول جزافًا رغبة في التفرّد بجديد؛ فالتاريخ عنده فيلسوف المؤرخين ابن خلدون بحثٌ "في أحوال العمران والتمدين، وما يعرض فيه للاجتماع الإنساني من العوارض الذاتية .... ". والتاريخ الاجتماعي في صورته الحاضرة، وإنْ اقتصر على التعريف بطرق الحياة عند الفرد والجماعة، وعلى شرح وسائل الكسب والمعيشة اليومية، ووصفِ المجتمع في تقدّمه وتأخّره، إنما يوضّح في الواقع آثار الملوك في ممالكهم، وينوّه بالرؤساء والزعماء السياسيين وقادة الفكر في عصورهم المختلفة؛ وهو يفسّر كذلك أسرار قيام الدول وسقوطها، وتعاقبَ الملوك وتوارثَ العروش، واشتعال الحروب وخمودها، وانعقاد المؤامرات وانصرامها، لأنّ واحدًا من هذه الأشياء لا يمكن أن يتأتى إلا نتيجة لما بالمجتمع من عوامل ومؤثرات ظاهرة وباطنة. ذلك أنّ الدولة التي تستطيع النموّ والتوسّع - اقتصاديا أو حربيًا - لا بدّ أن تستمد استطاعتها هذه من مجتمع قادر على النموّ والتوسّع، دون أن يفقد ذلك المجتمع شخصيته وخصبه العقلي؛ كما أن الدولة التي تبدو عاجزة قاصرة بالقياس إلى غيرها من الدول، لابدّ أن يكون قصورها وعجزها أثرًا لما بالمجتمع نفسه من نقص مادي أو روحيّ، وهكذا.
وكتاب "نهاية الرتبة في طلب الحسبة" للشيزري، الذي تخرجه لجنة التأليف والترجمة والنشر هذا العام، نبع من منابع التعريف بأحوال المجتمع الإسلامي عامة - والشرق الأدنى خاصة - في العصور الوسطى، وهو لذلك مورد من أقرب الموارد الصافية التي سيغترف

المقدمة / 3

منها المشتغلون بكتابة التاريخ الإسلامي حسب الأسس الجديدة، وليس له شبيه في تصويره الحياة اليومية - فيما أعلم - إلا ما كتبه المتأخرون في الحسبة كابن الأخوة، أو النواحي الاجتماعية عموما كابن الحاج في "المدخل" والمقريزي في "إغاثة الأمة"، وهؤلاء جميعًا - فيما يبدو - قد استقوا من الشيزري، أو نقلوا منه مباشرة أو بالواسطة، كما أوضح الناشر في مقدمته العلمية.
وقد قرأتُ هذا الكتاب الصغير أوّل مرة مخطوطًا أيام طلبي العلم في انجلترا، واختلافي إلى المتحف البريطاني بلندن، أي منذ خمس وعشرين سنة على وجه التحديد، فعرفتُ له قيمته بين النصوص القديمة، وجعلته في مستودع الآمال، وتمنّيت أن أحد الفرصة المواتية القيام على نشره في صورة علمية نافعة. ثم مضت السنون، وتعاقبت عليّ طبقات من الطلبة بقسم التاريخ بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأولى؛ وما عَتَّمِتُ أن وجدتُ في أحد الممتازين منهم، وهو السيد الباز العريني، استعدادًا غير عاديّ لتحقيق ما أصبو إليه، على الرغم مما يتطلّبه النشر العلمي الصحيح من مجهود صامت وصبر طويل. وإذ يخرج هذا الكتاب اليوم من غيابات المخطوطات إلى عالم المطبوعات الحية، فإني جديرٌ أن أشكر الناشر على جهوده الموفقة في تحقيق أملٍ من آمالى، وفي إتحاف المكتبة العربية بمتن هامٍ له الأسبقية والمنزلة الأولى بين المتون الخاصة بالحسبة.
غير أنّ أهمية الكتاب لا تنحصر في مجرّد أسبقيّته وأفضليته على سائر الكتب المشابهة، كما أنها لا تستند إلى إفاضة مؤلفه في بيان ما ينبغي للمحتسب أن يتحلّى به من الصفات، أو يقوم عليه من مراقبة السوقة والأسواق؛ بل تظهر أهميته كذلك فيما جاء به من ذكر ما كان يقوم به أصحاب الحرف والصناعات من أنواع الغشّ في مبيعاتهم ومعاملاتهم، مما ينبئ ببعض أحوال التجارة والتجار، في عصر المؤلّف على الأقلّ. يضاف إلى ذلك ما بالكتاب من الحقائق الكاشفة عن كثير من مظاهر الحياة الاجتماعية في القرن الثاني عشر الميلادي، كاستخدام النساء في تنظيف القطن والكتان على أبواب الحوانيت بالطريق العام (ص ٦٩، ٧٠)، وشغف نساء بغداد بالأخفاف التي تصرّ عند المشي لاجتذاب الأنظار (ص ٧٣). وبالكتاب كذلك كثير من الألفاظ العربية الفصيحة والمولَّدة الصحيحة،

المقدمة / 4

مثل الدوّارين ونصاب المبضع والمِلْزَم ونحوها (انظر الفهرس)، ممَّا يغوص أهل العربية في بطون المطوّلات والأمهات لالتقاطه، حرصًا على المرادفات التي يُستغنى بها عن بعض الألفاظ الأعجمية التي حلّت محلّ السليم في الاستعمال. والذين يقيسون الكتب بمقدار بما فيها من تسلية، يجدون كذلك في هذا الكتاب كثيرًا من الأخبار الطريفة، مثل أخبار قلائي السمك وصُنَّاع الزلابية، وحيل الجرائحية والكحّالين، ومثل أنواع الأطعمة التي لم يستطع الناشر أن يتذوّقها أو يصيبها بتعريفه من مراجعه الكثيرة.
على أنّ المزية الكبرى هذا الكتابه، هي ما فيه من أخبار عن حقيقة النظم الإسلامية وخصائص المجتمع الإسلامي، فهذا منصب الحسبة - وهو منصب قام بمصر قياما متّصلا منذ العصور الوسطى إلى زمن محمد على الكبير - قد هيمن متولّيه على أكثر من أربعين ناحية من نواحي الحياة اليومية، حيث شملت ولايته "أن يتردّد إلى مجالس القضاة والحكام، ويمنعهم من الجلوس في الجامع والمسجد للحكم بين الناس" (ص ١١٣)، وأن "يقصد مجالس الأمراء الولاة والأمراء، ويأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويعظهم ويذكّرهم، ويأمرهم بالشفقة على الرعية" (ص ١١٥)؛ وهذا وذالك فضلا عن مراقبة الخبازين والأساكفة، والأطباء والمؤدّبين - حتى السقائين والغسالين. فهل معنى هذا أنّ المجتمع الإسلامي كان في غير حاجة لوازع القانون، بحيث أمكن الجمع بين كثير من جهات الضبط والربط والإدارة في يدٍ واحدة؟ أم معنى هذا أنّ روّاد السوق من المنتجين والمستهلكين كانوا عددًا ضئيلا بالنسبة إلى بقية السكان الذين لم ينعموا يبيع أو شراء إلا في النادر، بحيث استطاع المحتسب أن يسيطر في اليوم الواحد - بمساعدة عيونه وغلمانه وأعوانه - على ما تقوم به عدة إدارات وزارية في العصر الحاضر؟ ثم أسألُ أخيرًا عن سرّ قيام المحتسب بمراقبة كلّ ما جاء بالمتن هنا من نواحي الحياة اليومية، على حين عدم اختصاصه بمراقبة عمل السكر، واستخراج عسل النحل، وأحوال القيان، وشئون المدارس (وهذه غير الكتاتيب طبعًا). هذه أسئلة يوحي بها المتن إلى القارئ باديَ القراءة في هذا الكتاب، ولا إخال المتوفّر على البحث في المجتمع الإسلامي إلا واجدًا جملةً أخرى من الأسئلة.

المقدمة / 5

وبعد فإني أترك المتن يخبر من مزاياه التي بينتُ بعضها فحسب، كما أترك الحواشي تخبر بنفسها عما بذله الناشر من جهد بالغ وعناية مشكورة. وإني لأرجو أن يعمد العاملون إلى استخراج الكثير من أمثال هذا المتن، کي تصبح كتابة التاريخ كما ينبغي أن يكتب التاريخ.
محمد مصطفى زيارة
مصر الجديدة ٢١ رجب ١٣٦٥ هـ
٢١ يونيه ١٩٤٦ م

المقدمة / 6

مقدمة الناشر
أوّلُ من فطن إلى كتاب نهاية الرتبة في طلب الحسبة للشيزري هو الدكتور فالتر برناور (Walter Behrnauer)، أمين المكتبة الإمبراطورية بمدينة فينا، وذلك في أثناء دراسته لنظام الشرطة عند العرب والفرس والترك، إذ كتب سنة ١٨٦٠ م في ذلك الموضوع بحثا (^١) تعرّض فيه للحسبة، وأتبعه بترجمة تلخيصية لهذا الكتاب (^٢) الذي تخرجه لجنة التأليف والترجمة والنشر في مطبوعاتها هذا العام.
وترجع أهمية الكتاب - بالقياس إلى غيره من الكتب التي أُلِّفَت في الحسبة - لعدّة ميزات: منها أنّ مؤلفه أسبق المؤلفين في موضوع الحسبة من الناحية العملية في الشرق الإسلامي، إذ عاش في القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي)، ولم يتناول ذلك الموضوع قبله إلَّا أفراد قلائل، مثل الماوردي المتوفى سنة ٤٥٠ هـ (١٠٥٨ م) في كتاب "الأحكام السلطانية" (^٣)، والغزالي المتوفى سنة ٥٠٥ هـ (١١١١ م) في كتابه "إحياء علوم الدّين"، وكلاهما تغلُبُ على كتابته الصفة الفقهية البحتة. ومنها أنّ هذا الكتاب صار فيما بعد أساسا لما كتبه ابن الأخُوّة وابن بسّام وغيرهما في الحسبة؛ أما ابن الأخوّة المتوفى سنة ٧٢٩ هـ (١٣٣٨ م)، فإنه ألّف كتابه المسمى "معالم القربة في أحكام الحسبة" في

(^١) نشر هذا البحث تحت عنوان Behrnauer: Memoire sur les Institutions de Police) Turcs. Jouro. As. Se Série، ١٨٦٠، T، XV، PP.les et Persans Arabes chez les، les ٤٨١ - ٥٠، T، XVI، pp. ١٤٩٣).
وقد تُرجم هذا الكتاب في اللغة العربية بعنوان "نبذة في التنظيمات السياسية المختصّة بالضبطية عند العرب والفرس والترك، ونشر بمجلة روضة المدارس (عدد ١٥ شعبان سنة ١٢٨٩ هـ، ١٨٧٢ م)، ثم نشرت هذه الترجمة في كتاب مستقلّ، توجد منه مخطوطة بدار الكتب المصرية، رقم ٢٣٢٥ تاريخ.
(^٢) اعتمد برناور في هذا التلخيص على مخطوطة المكتبة الإمبراطورية بفينا، وهي إحدى المخطوطات التي اعتمد عليها الناشر في مقارنة المتن وضبطه وتحريره (انظر صفحة ن)، وقد نشر برناور تلخيصه بعنوان:
(Nolice particulière sur la Charge de Mouhtasib par le Scheikh Annabrawi. Journ. ١٦). As a serie، ٤٨٦٠٣، ٤، XVI، pp. ٣٤٧٣، T. XVI، ١٨١، pp.
(^٣) يظهر أنه ما كتبه الماوردي في الحسبة جُمِع في كتابه أطلق عليه اسم "الأحكام في الحسبة
الشريفة"، وتوجد منه مخطوطة بالمكتبة الخالدية بالقدس يرجع تاريخها إلى منتصف القرن التاسع الهجري.
انظر أحمد سامح الخالدي: حول كتاب في الحسبة، (مجلة الثقافة، عدد ٨، سنة ١٩٣٩ م).

المقدمة / 7

سبعين بابا؛ وقد دلّت المقارنة على وجود تشابه كبير بينه وبين كتاب الشيزري، مما بيَّنه المستشرق الإنجليزي روبن ليفي (Reuben Levi) في حواشيه للكتاب ابن الأخوّة (^١). وأما "كتاب نهاية الرتبة في طلب الحسبة" لابن بسّام (^٢) الذي عاش في مصر في القرن الثامن الهجري (^٣) (الرابع عشر الميلادي)، فيبدو كذلك، أنّ معظمه منقول من كتاب الشيزري، إذ أنه فضلا عن اتفاقه مع كتاب الشيزرى في العنوان، فإن مقدمتهما واحدة، وذلك باعتراف ابن بسّام نفسه، بل يبدو أنّ ابن بسّام أخذ تأليف الشّيزري فنسبه إلى نفسه عنوانا ومتنًا، بعد أن أضاف إليه أبوابًا متعددة، مما جعلها تبلغ أربعة عشر ومائة باب، على حين أن كتاب الشيزري في أربعين بابا فقط.
ولقد حدا هذا التشابه المادّي بالدكتور برناور إلى القول بأن هذه الكتب الثلاثة ليست إلا كتابا واحدًا، تناوله مؤلفون مختلفون بزيارات وتعديلات، بحسب البلاد والأزمنة التي عاشوا فيها (^٤)، أي أن كتاب الشيزري أصل لكتابي ابن الأخوّة وابن بسّام، أو لأحدهما على الأقلّ، وذلك لأسبقيته الزمنية، ولاتفاق الكتابين المتأخّرين معه إلى درجة كبيرة في الموضوعات والأبواب والفصول، وفي عرضها أيضًا. يضاف إلى ذلك أن معظم الكتب التي أُلِّفَت في وصف المجتمع المصرى مثلًا في عصر سلاطين المماليك استمدّت من الشيزري، مباشرة أو من طريق غير مباشر؛ والبينة على تلك الدعوى واضحة من مقارنة ما جاء بكتاب المدخل لابن الحاج، فيما يتعلق بالقصارين والبزازين ومؤدبي الصبيان (^٥)، بما جاء بالمتن هنا في الباب الحادي والعشرين والرابع والعشرين والثامن والثلاثين (^٦)، مما يرجح أن كتاب

(^١) نشر الدكتور روبن ليفي هذا الكتاب مع ترجمة إنجليزية في مجلد واحد، في مجموعة جب
التذكارية. (١٩٣٨، Gibb Memorial New Series، Vol. Xll، Cambridge
(^٢) يوجد من كتاب ابن بسّام نسخة مخطوطة بالخزانة التيمورية بدار الكتب المصرية بالقاهرة،
(فهرس الخزانة التيمورية، رقم ٢٥ اجتماع).
(^٣) انظر لويس شيخو: كتاب نهاية الرتبة في طلب الحسبة. (مجلة المشرق، المجلد ١٠، العدد
٢١، سنة ١٩٠٧) وكذلك كرد على: الحسبة في الإسلام. (مجلة المقتبس، المجلد ٣، سنة ١٩٠٨).
(^٤) Betrnauer: Mémoire sur les Institutions de Police chez les Arabes، les Persans et les Turcs. (Jouir. As. ١٨٦٠، T. XV، p. ٤٦١).
(^٥) ابن الحاج: المدخل، ج ٢، ص ٣١٤ - ٣١٥، ج ٤، ص ١٦ - ١٧، ص ٢٧ - ٣٦.
(^٦) انظر ما يلي ص ٦١ - ٦٣، ٦٧ - ٦٨، ١٠٣ - ١٠٥.

المقدمة / 8

الشيزري هو الأصل على وجه الإطلاق لجميع ما كتب في الحسبة وما يتعلق بها في الدولة الإسلامية عموما.
وثمَّت ميزة أخرى لهذا الكتاب تميّزه في الواقع عن جميع الكتب التي وضعت في الحسبة، وهي الإسهاب في شرح غشوش العقاقير، ووصف فروع الطب المختلفة، ثم الاهتمام بمراقبة على الذمّة وحركات الباطنية. وربما كانت علّة هذا الاهتمام أنّ عصر المؤلف - وهو القرن السادس الهجري - كان عصر إحياء السنة، وقد تخلَّلته المنازعات بين السنة والشيعة في كثير من جهات العالم الإسلامي (^١)، فضلا عن مصر، ونشبت الحروب الصليبية في أثنائه، فأصبح يخشى من ممالأة الذميين في البلاد الإسلامية للصليبيين، سيما وأنّ أرباب الحرف والصنائع كان أكثرهم من أهل الذمة (^٢). على أنّ الذي يدعو إلى الالتفات هنا أنّ أمور الباطنية وحركاتها كانت داخلة في أعمال المحتسب، وتلك مسألة ذات أهمية في البحث في أصل الحسبه ونشأتها في الدولة الإسلامية.
يضاف إلى ذلك ميزة لا تقلّ عما سبق، وهي كثرة النسخ الخطّية الموجودة من هذا الكتاب، إذ يبلغ عددها أربع عشرة نسخة، اجتمع منها في مصر ثمان (^٣)، والنسخ الأخرى محفوظة بمختلف دور الكتب الأجنبية.
أما المؤلف فقد اضطربت جميع مخطوطات الكتاب في ذكر اسمه ولقبه وكنيته ومذهبه، مما جعل بروكلمان (Brockelmann) يورد معظم الصيغ التي وردت في مؤلّفاته المختلفة عند التعريف به، إذ سَمَّاه "جلال الدين أبو النجيب أبو الفضائل عبد الرحمن بن نصر بن عبد الله الشيزري التبريزي العدوي الشيرازي (^٤) ". على أن بروكلمان أغفل ذكر ألقاب للمؤلف غير هذه، مع ورودها في بعض النسخ الأخرى من كتاب نهاية الرتبة، فهو في إحدى مخطوطات (^٥) دار الكتب المصرية، وفي مخطوطة برلين "زين الدين"، وفي مخطوطة فينا

(^١) ابن الجوزي: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، ج ٩، ص ٩٠ - ٩١؛ ج ١٠، ص ١٤٧،
١٩٨؛ ابن الطقطقي: الفخري في الآداب السلطانية، ص ٢١٨؛ وكذلك (Ency. Isi، Art، Sinf) .
(^٢) انظر (٢٦٩ - ٢٦٧. precis de l'Histoire d'Egypte، ll. pp) .
(^٣) انظر فهرس دار الكتب المصرية (الجزء السادس - صناعات، أرقام ٢٠، ٢١، ٦٢، ٧٢، ٧٣)، وفهرس الخزانة التيمورية، رقم ٢٦ اجتماع، وفهرس دار الآثار العربية، رقم ٣٢٧٣ (في ملف خاص)، وفهرس مكتبة الأزهر (مكتبة أباظة، رقم ٧٢٧٦).
(^٤) Litteratur. Supplement Brockelmann: Geschichte der Arabischeu Banal ١. p. ٨٣٢ .
(^٥) المخطوطة المرموز لها بالحرف ص من هنا. انظر ما يلي.

المقدمة / 9

"تقي الدين"، وفي مخطوطة الخزانة التيمورية "جمال الدين". ويتّضح من هذه الكثرة أنّ معظم هذه الألقاب مدسوس على المؤلف من الناسخين، ولا سيما أن أغلب النسخ مکتوب في عصور متأخرة، وكثير منها في عصر المماليك، كما يبدو واضحًا من تواريخ کتابتها، وهو عصر أسرف الكتّاب في استعمال الألقاب والكنى بحسب أغراضهم، ولم يتّفقوا فيها على طريقة واحدة، بل قصدوا مخالفة من تقدّمهم في ذلك (^١).
واختلفت النسخ أيضًا في اسم المؤلّف، غير أن الأسهم الأكثر استعمالا هو عبد الرحمن بن نصر بن عبد الله، وكان شافعي المذهب. وكذلك اختلفت النسخ في نسبته، فهو النبراوي (^٢)، والشيرازي (^٣)، والشيزري (^٤)، والتبريزي (^٥)، والعدوي (^٦)؛ ويظهر أن هذا الاضطراب راجع إلى تقاريب رسم هذه الكلمات (^٧)، أو إلى غفلة الناسخين، وأصحها جميعًا نسبة المؤلف إلى شيزد، لورودها في أكثر من نسخة واحدة، ولأنّ المؤلف بدأ كتابته في الموازين والمثاقيل بالإشارة إلى شيزر (^٨) قبل غيرها من مدن الشام والبلاد الأخرى، كما أشار ابن قاضي شهبة إلى المؤلف منسوبا إلى شيزر (^٩).
ومع أن الناشر لم يستطع أن يعثر المؤلف على ترجمة، فمن الواضح أن الشيزري کان معاصرًا للسلطان الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي، إذ أهدى إليه كتابه "النهج المسلوك في سياسة الملوك (^١٠) "، ولعله وضع كتابه في الحسبة بناء على طلب صلاح الدين من طريق غير مباشر، لمساعدة الحكومة الأيوبية في مراقبه أو باب الحرف والصنائع، لما كان

(^١) القلقشندي: صبح الأعشي، ج ٥، ص ٤٨٩.
(^٢) مخطوطة فينا المرموز ها هنا هـ.
(^٣) حاجي خليفة:کشف الظنون، ج ٥، ص ٥٠٧؛ ج ٣، ص ٥١٠؛ النويرى: نهاية الأرب، ج ١٢، ص ١٦٢، ١٨٣، ١٩٠، ٢٠٩، ٢١٧.
(^٤) مخطوطتا دار الكتب المصرية س، ص، وكذلك مخطوطة الأزهر ع.
(^٥) مخطوطة المكتبة التيمورية ت؛ وكذلك حاجي خليفة: کشف الظنون، ج ٦، ص ٤٠١.
(^٦) مخطوطة ليبرج؛ وكذلك حاجي خليفة: كشف الظنون، ج ٦، ص ٤٠١.
(^٧) جاء في مجلة المكتبة الصادرة بالقاهرة - عدد أبريل سنة ١٩٤٦، ص ٩٢٢ - أن نسبته "الشهرزوري"، ولم يستطع الناشر أن يعثر على أصل تلك النسبة.
(^٨) انظر ما يلي ص ١٥، حاشية ٨، وکذلك ص ١٧.
(^٩) ابن قاضي شهبة: الكواكب الدرّية في السيرة النورية، ص ٤٧.
(^١٠) الشيزري: كتاب النهج المسلوك في سياسة الملوك، ص ١٣.

المقدمة / 10

معروفًا من ميولهم للدولة الفاطمية (^١). ويتّضح كذلك من تنوّع المؤلفات المنسوبة للشيزري، ومن كثرة إشاراته للشام وبلادها، أنه قضى فترة من حياته بتلك البلاد -إن لم يكن شامي الأصل-، وربما تولّى وظيفة القضاء بإحدى بلادها، إذ اعتبره حاجي خليفة (^٢) قاضيا لطبرية، وأورد فستنفلد (^٣) (Wustenfeld) اسمه على أنه كان طبيبا بحلب حوالي سنة ٥٦٥ هـ (١١٦٩ م). غير أنه ليس لدينا ما يثبت أن الشيزري تولّى الحسبة سوى معلوماته الضافية عن واجباتها، ومعرفته التامة بدخائل الأسواق وأهلها، والسلع وأنواعها في عصره، مما يحتمل بأنه كان يجمع بين وظيفة القضاء ووظيفة الحسبة في طبرية، إذا صحت إشارة حاجي خليفة السالفة الذکر.
وكيفما كان الأمر قد مات الشيزري حوالي سنة ٥٨٩ هـ (١١٩٣ م)، حسبما قرّر بروکلمان (^٤)، وهي السنة التي توفي فيها صلاح الدين الأيوبي؛ ولكن بروكمان لم يبين المراجع التي اعتمد عليها في تحقيق هذا التاريخ، وليس بالمراجع المتداولة هنا ما يساعد على التأكد من وفاة المؤلف في تلك السنة.
وللشيزري عدا كتاب "نهاية الرتبة في طلب الحسبة"، وكتاب "المنهج المسلوك في سياسة الملوك" الذي تقدمت الإشارة إليه، مؤلفات كثيرة في موضوعات مختلفة، وهي "الإيضاح في أسرار النكاح" (^٥) " في مجلدين - الأول خاص بالرجال والآخر خاص بالنساء، و"خلاصة الكلام في تأويل الأحلام (^٦) "، و"روضة القلوب ونزهة المحب والمحبوب (^٧) ".

(^١) انظر. Ency. ١ sl. Arts. Sinf، Shadd»
(^٢) حاجي خليفة: كشف الظنون، ج ٣، ص ٥١٠.
(^٣) Wustenfeld:Geschichte der Arabischen Aerzte und Naturforscher، p. ١٠٠.)
(^٤) انظر. (٨٣٢. Brackelmann: ٠ p، Cit. ١، p
(^٥) حاجي خليفة.کشف الظنون، ج ١، ص ٥٠٧.
(^٦) حاجي خليفة:کشف الظنون، ج ٦، ص ١٦٦. وهذا الکتاب مترجم إلى اللغة الفرنسية
تحت عنوان:
(Vallier: L'Oneirocrite Musulman ou Doctrine de l'Interpretatiou des Songes، par Gabdarxachamian fils de nesar، Paris، ١٦٦٤).
(^٧) حاجي خليفة: کشف الظنون، ج ٣، ص ٥١٠، وتوجد نسخ لهذه المؤلفات في المكتبات
المختلفة. انظر ١١. (Brockelmann: Geschichte der Arabischen Litteratur. l. p. ٤٦١; Supplement Band . p ٨٣٢).

المقدمة / 11