478

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز

الناشر

دار الذخائر

الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٤١٩ هـ

مكان النشر

القاهرة

وقال بعضهم: يقال لمن يؤمر بالصبر: «اربط على قلبك حجرا»، فكان ﷺ يؤمر بالصبر ويأمر أمته بالصبر، حالا ومالا.
وفي كتاب السنن لسعيد بن منصور من حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم من أبغضنى وعصاني، فأكثر له المال والولد» .
اللهم من أحبنى وأطاعنى فارزقه الكفاف.
اللهم ارزق ال محمد الكفاف.
اللهمّ رزق يوم بيوم» .
ويناسبه ما أورده السلفى أن يهوديّا أتى النبيّ ﷺ فقال: «ادع لي» فقال «اللهم أصحّ جسمه، وأكثر ماله، وأطل حياته» «١» .
وورد في الجامع الصغير: «إنّ الله إذا أحبّ عبدا جعل رزقه كفافا» اهـ. قال العزيزي: أي بقدر كفايته، لا يزيد عليها فيطغيه، ولا ينقص عنها فيؤذيه؛ فإن الغنى مبطرة والفقر مذلة.
وأما اقتناعه ﷺ باليسير وسؤاله ربه أن يجعل رزقه قوتا، ففى حديث ابن عباس رضى الله عنهما: «كان رسول الله ﷺ يبيت الليالى المتتابعة طاويا وأهله لا يجدون عشاء، فكان عامة خبزهم الشعير» .
وقد خيّره الله بين أن يكون نبيا ملكا وأن يكون نبيا عبدا، فقال: بل نبيا عبدا «ثلاثا» . فانظر إلى همته العلية كيف عرضت عليه خزائن الأرض فأعرض عنها وأباها، مع أنه ﷺ لو أخذها لم ينفقها إلا في طاعة ربه، لكنه اختار العبودية المحضة، فيا لها من همّة شريفة رفيعة، ما أسناها، ونفس زكية كريمة ما أزكاها.
وقال البدر الزركشي: «لم يكن النبى ﷺ فقيرا من المال قط، ولا حاله حال فقير»، بل كان أغنى الناس، قد كفى أمر دنياه في نفسه وعياله. وكان يقول في

(١) لأن اليهود لا يحبون إلا ذلك، فدعا لهم بما يحبون: إن هم إلا كالأنعام.

1 / 431