469

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز

الناشر

دار الذخائر

الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٤١٩ هـ

مكان النشر

القاهرة

فى قريش ونشأت في بنى سعد فأنّى يأتينى اللّحن» «١» فقد كان من خصائص نبينا ﷺ أن يكلم كلّ ذى لغة بلغته على اختلاف لغة العرب وتراكيب ألفاظها وأساليب كلمها، وكان أحدهم لا يجاوز لغته، وإن سمع لغة غيره فكالعجمية يسمعها العربي، وما ذاك منه ﷺ إلا بقوة إلهية وموهبة ربّانية؛ لأنه بعث إلى الكافة طرّا وإلى الخليقة سودا وحمرا، ولا يوجد متكلم بغير لغته إلا قاصرا في تلك الترجمة، نازلا عن صاحب الأصالة في تلك اللغة، إلا هو ﷺ؛ فإنه كان إذا تكلم في لغة من لغات العرب أفصح وأنصع بلغاتها منها بلغة نفسها، وجدير به ذلك؛ فقد أوتى جميع القوى البشرية المحمودة، ومزية علي الناس بأشياء كثيرة.
وبالجملة فقد ألّف الناس في فصاحته وجوامع كلمه الدواوين، ولا خفاء بأن أفصح اللغات لغات العرب، وغاية لسان هارون وفصاحته إنما كانت في العبرانية، وإلا فالعربية أفصح منها «٢»، وأما ما اشتهر علي ألسنة كثير من الناس أنه ﷺ قال: «أنا أفصح من نطق بالضاد»، فقال الحافظ ابن كثير، وتابعه تلميذاه الزركشي، وابن الجوزي، والجلال السيوطي، والسخاوي: إنه لا أصل له، كما يؤخذ من قول النجم. ثم هو ﷺ أفصح من نطق بالضاد من بين أهل اللغة العربية، حيث لم يعزه لرواية، وهو صحيح المعنى، إذ معناه: أنا أفصح العرب لكونهم هم الذين ينطقون بها، ولا توجد في لغة غيرهم.
* وأما خلقه ﷺ، فكان خلقه القران؛ يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه، ويسارع إلى ما حثّ عليه، ويمتنع مما زجر عنه، فلهذا كان يتضاعف جوده وإفضاله في شهر رمضان لقرب عهد مخالطته جبريل ﵇، وكثرة مدارسته لهذا الكتاب الكريم الذى يحثّ على مكارم الأخلاق والجود، ولا شك أن المخالطة تؤثر وتورث أخلاقا من المخالط، كما قال بعضهم لابنه:

(١) وقد روى أن النبى ﷺ قال: «أول من فتق لسانه بالعربية المبينة إسماعيل وهو ابن أربع عشرة سنة» رواه الشيرازى في الألقاب عن على كرم الله وجهه، وروى الحديث الذى ذكره الشيخ بلفظ اخر: «أنا أعربكم، أنا من قريش ولسانى لسان بنى سعد بن بكر» رواه ابن سعد.
(٢) أما قول الله ﵎: (وأخي هارون هو أفصح منى لسانا) ليس المقصود فصاحة اللغة، وإنما المقصود أنه يستطيع أن يعبر أحسن منه، والله أعلم بمراده بذلك.

1 / 422