نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز
الناشر
دار الذخائر
الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٤١٩ هـ
مكان النشر
القاهرة
قبل وجهه، فقال ﷺ: «لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين» وقبل منهما إسلامهما، فأنشده أبو سفيان معتذرا إليه بأبيات، فضرب رسول الله ﷺ على صدره وقال: «أنت طردتنى كلّ مطّرد» . وكان أبو سفيان بعد ذلك ممن حسن إسلامه؛ فقيل: إنه ما رفع رأسه إلى رسول الله ﷺ منذ أسلم حياء منه، وكان ﷺ يحبه ويشهد له بالجنة، ويقول: أرجو أن يكون خلفا من حمزة «١»، وقال ﷺ لأبى سفيان بن الحارث حين جاء مسلما بعد أن كان عدوا له كثير الهجاء:
«كلّ الصيد في جوف الفرا «٢»» (وهو بفتح الفاء حمار الوحش، والمعنى أن حمار الوحش من أعظم ما يصاد، وكل صيد دونه، كما أنك من أعظم أهلى وأمسّهم رحما بى، ومن أكرم من يأتينى وكلّ دونك) وكان أبو سفيان يشبه رسول الله ﷺ من جملة من يشبهونه، وهم ستة، والباقى: جعفر بن أبى طالب، والحسن بن على، وقثم بن العباس، والسائب بن عبيد بن عبد الله بن نوفل بن هشام بن عبد المطلب بن عبد مناف، وعبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب.
ثم أمر ﷺ أن تركز راية سعد بن عباد بالحجون «٣» لما بلغه أنه قال: «اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحلّ الكعبة» فقال: «كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظّم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة»، فمن هنا يعلم أنه ﷺ كما سعى في العمار الحسى سابقا، سعى في العمار المعنوى لاحقا. ونعم ما قال سادة الأوّل: أوّل الفكر اخر العمل، فالساعى في التعمير يستحيل أن يكون سببا في التدمير، لا سيما البشير النذير، أو ليس أنه ﷺ كان في بناء قريش للكعبة يشتغل في بنائها بنفسه معهم،
(١) وكان ﵊ يقول فيه: «أبو سفيان بن الحارث خير أهلى» رواه الطبراني والحاكم عن أبى حبة البدرى. وروى الحاكم وابن سعد عن عروة مرسلا قوله ﷺ: «أبو سفيان ابن الحارث سيد فتيان أهل الجنة» .
(٢) رواه الرامهرمزى في الأمثال عن نصر بن عاصم الليثى قال: «أذن رسول الله ﷺ لقريش وأخّر أبا سفيان، ثم أذن له، فقال- أى أبو سفيان-: ما كدت تأذن لى حتّى كانت تأذن لحجارة الجلهمتين (بضم الجيم وسكون اللام وبضم الهاء: اسم مكان) قبلى؟ قال: وما أنت وذاك يا أبا سفيان، إنما أنت كما قال الأوّل: «كلّ الصيد في جوف الفرا» . ورواه العسكرى أيضا قريبا من هذا اللفظ، والله تعالى أعلم.
(٣) مكان بأعلى مكة عند مقبرتها. وقال الأصمعى: الحجون هو الجبل المشرف الذى بحذاء مسجد البيعة على شعب الجزارين- قاله ياقوت الحموى-.
1 / 356