النظم المستعذب في تفسير غريب ألفاظ المهذب
محقق
د. مصطفى عبد الحفيظ سَالِم
الناشر
المكتبة التجارية
مكان النشر
مكة المكرمة
•
مناطق
•اليمن
كتاب
النَّظْمُ المُسْتَعْذَبُ
فِي تفْسِير غريبِ ألْفَاظِ المهَذّبِ
تصنيف الإمام
بطّالِ بْن أحْمد بْن سُليْمان بْن بطّالِ الرَّكْبِيِّ
المتوفى سنة ٦٣٣ هـ
القسم الأول
دراسة وتحقيق وتعليق
دكتور
مصطفى عبد الحفيظ سَالِم
١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
المكتبة التجارية - مكة المكرمة
الشامية أمام فندق الصفا
تليفون المركز الرئيسي: ٥٧٤٩٠٢٢
تليفون فرع النزهة: ٥٤٥٩٨٥٠
تليفون فرع الجامعة: ٥٥٨١٥٨٤
صفحة غير معروفة
- أ -
[مقدمة التحقيق]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تمهيد:
أحمد الله تعالى وأصلى وأسلم على خير خلقه سيدنا ونبينا محمد ﷺ وعلى آله وصحابته والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد. . . . فإن من أجل العلوم وأشرفها وأعلاها منزلة: علوم القرآن وعلوم الحديث، وما يتصل بهما، وقد نالت هذه العلوم عظيم الاهتمام، من حين نزول الوحى بالقرآن الكريم على النبي ﷺ، وإشراق الدنيا بنور القرآن الكريم مصدر التشريع الأول، والحديث الشريف مصدر التشريع الثاني.
وقد نمت وترعرعت هذه العلوم فى ظل الرسول الأعظم والمعلم الأكبر محمد ﷺ، والأئمة الأعلام من صحابته، رضوان الله عليهم أجمعين، وتمت نعمة الله على المسلمين بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ وكان تمام هذه النعمة فى استواء التشريع، وبيان العقيدة، وإيضاح معالم الدين من شرائع وقوانين كاملة للمعاملة والسلوك فى المجتمع الإسلامي الجديد.
وصرف علماء الإسلام عنايتهم إلى دراسة مصادر التشريع، وتفرعت هذه الدراسات وآتت ثمارها، وكان من نتاجها المذاهب الفقهية الأربعة الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي، وانكب أصحاب كل مذهب على دراسته وتأصيله وتفريعه، وتوضيحه، يستمدون فى ذلك العون من أنواع العلوم الإسلامية والعربية.
وازدهرت الحضارة الإسلامية وانبثق نور الإسلام على ربوع الدنيا، ودخل الناس فى دين الله أفواجا، لا يحجبهم جنس، ولا يمنعهم عنصر، ولا تدفعهم قومية، كل الخلق انضوى تحت لواء شعاره: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
وكان لزاما على علماء الإسلام أن يجنحوا إلى الإطناب فى التوضيح والتفصيل والتدوين وتمخضت جهودهم عن شتى أنواع العلوم، ومنها: غريب القرآن الكريم، وغريب الحديث وغريب الفقه.
أما غريب القرآن الكريم، وغريب الحديث فقد حظيا باهتمام كبير، فحسبهما الارتباط الوثيق بأهم مصادر التشريع. وأما غريب الفقه فقد أخذت أطراف العناية تتجه إليه فى أثناء القرن الثاني للهجرة، وبدأت بذور تدوينه فى أثناء القرن الثالث الهجري. فقد صنف ابن قتيبة كتابه غريب الحديث، وضع فى مقدمته شرحًا يسيرًا لبعض المصطلحات الفقهية العامة وهي، وإن كانت قليلة ومختصرة قياسًا إلى حجم كتابه، إلا أنها تعد من البذور الأولى فى تدوين غريب الفقه.
المقدمة / 2
- ب -
ثم صنف أبو بكر محمد بن القاسم بن محمد بن بشار بن الأنباري، كتابه الزاهر في معاني الكلمات التي يستعملها الناس في صلواتهم ودعائهم وتسبيحهم. وجمع في هذا الكتاب جملة وافرة من الألفاظ ذات الطابع الفقهي، غير أنه تناول أقوال العرب وأمثالهم فأكثر منها، فاتسم الكتاب بسمة كتب الأمثال، وغابت في طياته تلك الألفاظ.
المصنفات في غريب الفقه:
ثم أخذ التدوين في غريب الفقه يتخذ شكلًا آخر يتصف بالاستقلال والتخصص، شأنه شأن غريب القرآن الكريم، وغريب الحديث الشريف، وهو -وإن لم يكن منفصلًا عنهما في باب التشريع- في أمس الحاجة إلى مصنفات خاصة به، يقصدها الباحث والدارس تيسيرًا وتسهيلًا، فضلًا عن أنه يهتم بتفسير مصدر عظيم من مصادر التشريع. ومن ثم اتجه العلماء إلى وقف مصنفاتهم على هذا النوع من الغريب، ومنها:
١ - تفسير غريب الموطأ- لأبى عبد الله أصبغ بن الفرج المصري (توفى سنة ٢٢٥) في غريب الفقه المالكي.
٢ - تفسير غريب الموطأ -لأحمد بن عمران بن سلامة الأخفش- معاصر للأول. في غريب الفقه المالكي.
٣ - شرح ألفاظ المختصر- لأبى منصور الأزهري (٢٨٢ - ٣٧٠ هـ) في غريب ألفاظ الشافعي.
٤ - شرح غريب الموطأ- لابن السيد البطليوسي (توفى ٥٢١ هـ) في غريب الفقه المالكي.
٥ - طلبة الطلبة- للإمام نجم الدين بن حفص النسفي (توفى ٥٣٧ هـ). في غريب الفقه الحنفي.
٦ - شرح غريب الرسالة- للقاضي أبي بكر بن العربي (توفى ٥٤٣ هـ) في غريب الفقه الشافعي.
٧ - الأسامي والعلا في شرح غريب المهذب للشيرازي للإمام عمر بن محمد المعروف بابن البزري (توفى سنة ٥٦٠ هـ).
٨ - المغرب في ترتيب المعرب- للطرزى الحنفي (توفى سنة ٦١٠ هـ) في غريب الفقه الحنفي.
٩ - اللفظ المستغرب من شواهد المهذب- لأبي عبد الله بن محمد بن على القلعي (توفى ٦٣٠ هـ) في غريب الفقه الشافعي.
١٠ - النظم المستعذب في تفسير غريب ألفاظ المهذب- لابن بطال الركبي (توفى سنة ٦٣٣ هـ) في غريب الفقه الشافعي.
١١ - المغني في الإنباء عن غريب المهذب والأسماء- لابن بطال الركبي (توفى سنة ٦٣٣ هـ) في غريب الفقه الشافعي.
١٢ - تهذيب الأسماء واللغات- للنووي (توفى ٦٧٦ هـ). في غريب الفقه الشافعي.
١٣ - التحرير على ألفاظ التنبيه للنووي (توفى ٦٧٦ هـ). في غريب الفقه الشافعي.
المقدمة / 3
- جـ -
١٤ - المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للفيومي الشافعي (توفى سنة ٧٧٠ هـ تقريبًا) في غريب الفقه الشافعي.
١٥ - لغات مختصر ابن الحاجب- للإمام عز الدين محمد بن عبد السلام الأموي (توفي سنة ٧٩٧ هـ) في غريب الفقه المالكي.
١٦ - غرر المقالة في شرح غريب الرسالة- لأبى عبد الله محمد بن منصور بن حمامة (مجهول) وغريب الفقه الشافعى وقد قمت بتحقيق كتاب اللفظ المستغرب من شواهد المهذب للقلعي، وصنفت دراسة تحليلية لأهم المصنفات في غريب الفقه تناولت فيها أكثر المصنفات المذكورة، ورأيت أن إتمام الفائدة يستوجب العمل الدائب في تحقيق ما يمكن تحقيقه من مصنفات هذا النوع من الغريب، فعقدت العزم على إخراج كتاب النظم المستعذب لابن بطال- بخاصة وأنه أشمل هذه المصنفات للألفاظ الفقهية، وأبسطها شرحًا، فاستعنت بالله تعالى، وبإرشاد أستاذى الفاضل الأستاذ الدكتور عبد الغفار هلال- في تحقيق هذا الكتاب.
والله تعالى أسأل أن يوفقني إلى سواء السبيل
وهو حسبي ونعم الوكيل
دكتور
مصطفى عبد الحفيظ سالم
المقدمة / 4
ابن بطال الركبى
حياته
اسمه ونسبه وقبيلته:
هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان بن بطال الركبى اليمنى، المشهور ببطال الركبى وعلى هذا اتفق كل الذين ترجموا حياته، وفى مقدمتهم: البهاء الجندى (١)، وأبو مخرمة (٢) والخزرجي (٣)، وغيرهم.
وعن شهرته ببطال: ذكر البهاء الجندى (٤) أنه "ظهر لما منه ما ظهر من الكمال، قال عقلاء زمانه ضد اسمه".
ولقب بشمس الدين كما ذكر حاجى خليفة (٥)، والبغدادى (٦)، وكحالة (٧)، حين ترجموا له، صدروا ذلك بقولهم: "شمس الدين أبو عبد الله" أو الشيخ الإمام شمس الدين".
والركبى: نسبة إلى قبيلة الركْب من قضاعة في اليمن (٨)، وهم من ولد أَتْغَمَ بن الأشعر. والأشعر هو: نَبْتُ بن أدد بن زيد بن يشْجُبَ بن عَرِيب بن زيد بن كهلان بن سَبَأ (٩). وإلى الأشاعر ينتسب الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري، ﵁.
وفي قبيلة الركب يقال المثل المشهور: "أَحبِبْ بِالرَّكْبِ وَبَني مَجِيدْ" (١٠)، وكانت تسكن مواطن متفرقة في اليمن، فمعظمهم كان ينزل في الجبال المطلة على طريق زبيد، وبعضهم في الجبال المطلة على حَيْس، وهو مخلاف بتهامة، بين المعافر وصنعاء غربًا، بينه وبين زبيد نحو يوم (١١)، قال ياقوت (١٢): وهو للركب من الأشعرين، وفيه يقول المسلم بن نعيم المالكي:
أما ديار بنى عوف فمنجدة ... والعز قومى بحيس دارها الشعف
من بعد آطام عز كان يسكنها ... منا الملوك وسادات لهم شرف
وبعضهم كان ينزل في الدُّمْلُوَة، وهو حصن عظيم، في بلاد الحجرية شرقي الجند (١٣). وفى هذه المنظقة حبل يقال له: حبل الْحَرِيم، وكان ابن بطال الركبى يقطن قرية فيه تعرف بذي يَعْمِد (بفتح الياء المثناة من
(١) السلوك في طبقات العلماء والملوك للجندي ٢/ ٤٢٧ مخطوط دار الكتب.
(٢) تاريخ ثغر عدن ٢/ ٢٠٠.
(٣) العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولة ١/ ٣٩١.
(٤) في السلوك بالرقم السابق.
(٥) كشف الظنون ٥٢، ٥٣، ١٩١٣.
(٦) هدية العارفين ٢/ ١١٣.
(٧) معجم المؤلفين ٩/ ٦.
(٨) السلوك ٢/ ٤٢٧، وتاريخ ثغر عدن ٢/ ٢٠٠ والعقود اللؤلؤية ١/ ٣٩١ وشمس العلوم ٤/ ٢١٣ ومنتخبات في أخبار اليمن ٤٢.
(٩) نسب عدنان وقحطان للمبرد ص ١٨، وجمهرة أنساب العرب ٣٩٧.
(١٠) شمس العلوم ٤/ ٢١٣، ومنتخبات في أخبار اليمن ٤٢ والأمثال اليمانية ٥٦.
(١١) السلوك ٢/ ٤٢٧، وتاريخ تغر عدن ٢/ ٢٠٠ وصفة جزيرة العرب ١٠٣.
(١٢) معجم البلدان ٣/ ٣٨١.
(١٣) مراصد الإطلاع ٥٣٤ والسلوك ٢/ ٤٢٧ وتاريخ ثغر عدن ٢/ ٢٠٠.
المقدمة / 1
تحت، وسكون العين المهملة، وخفض الميم وسكون الدال) كما ضبطها الجندى، وأبو مخرمة (١٤). وقد أجمع المترجمون لابن بطال على أنه من ركب الدملوة، وآنه كان يقطن هذه القرية.
نشأته واتجاهه العلمى:
بدأت حياة ابن بطال العلمية، من حين أودعه أهله رهينة عند الشيخ الموفق أبي الدر جوهر بن عبد الله المعظمي (١٥)، وكان أستاذًا حبشيًا، من موالى الزريعيين، تقيًا عاقلًا، ذكيًا، عالمًا، عاملًا حافظًا، فقيهًا، مقرئًا.
وكان ينسب إلى سيده الداعى المعظم محمد بن سبأ بن أبى السعود الزريعى، الذى جعله نائبًا عنه في حصن الدُّمْلُوَة، ولما توفى وخلفه ابنه المكرم بن محمد، أبقى جوهرًا على نيابته للحصن، فلما دنت وفاة المكرم: جعل جوهرًا وصيًا على أولاده الصغار كلهم، فأكرمهم جوهر، وقام على تربيتهم خير قيام.
ولم يذكر المترجون لابن بطال سببًا لإيداع أهله له رهينة عند جوهر المعظمى. غير أن جوهرًا تكفل بتربيته وتهذيبه، وتعليمه، يقول أبو مخرمة: "وببركة جوهر صار الإمام بطال بن أحمد الركبى إمامًا مقصودًا وذلك أن أهله تركوه رهينة عند الطواشى جوهر، فأشفق عليه، فعلمه القرآن، ثم أشغله بطلب العلم، حتى صار إلى ما صار إليه" (١٦).
وقال البهاء الجندى في ترجمة جوهر المعظمى: "وكان من آثاره الفقيه بطال" (١٧) وفى ترجمة ابن بطال: "كانت بدايته وسلوكه لطريق العلم بإرشاد الحافظ أبى الدر جوهر المعظمى، إذ كان أهله رهنوه عنده فرباه وهذبه وجعله مع من عنده، ومن يصله من الفقهاء، فتفقه وتعلم العلم" (١٨).
أساتذته:
يعد أبو الدر جوهر المعظمى من أكبر أساتذته، والموجه الأول له، على ما سبق، وكما نص عليه المترجمون له، وفى مقدمتهم الجندى وأبو مخرمة، وغيرهما.
ومن أشهر شيوخه: الإمام إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن حَدِيق السَّكْسَكِى (١٩)، وهو ممن أدرك رئاسة العلم في جَبَأ، وأخذ بها عنه جماعة من العلماء، وانتفعوا به، ونهم ابن بطال الركبى، وذكر ذلك كل من الجندى، وأبو مخرمة، وقدماه على سائر شيوخه بعد الشيخ جوهر المعظمى ومن كبار أساتذته: الإمام محمد بن أبي القاسم بن عبد الله المعلم الْجَبَائي.
ذكره الجندى (٢٠)، وأبو مخرمة (٢١)، وقال الأخير عنه: قرأ على القاضى محمد بن أبى العباسى أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبى سالم القريظى الغريبين للهروى بعدن في جمادى الأولى (سنة ٥٨١ هـ) ولا أعرف من
(١٤) السلوك ٢/ ٤٢٧، وتاريخ ثغر عدن ١/ ٢٠٠.
(١٥) انظر ترجمته في تاريخ ثغر عدن ٢/ ٤١ - ٤٣ والسلوك ١/ ٣٩٩ وغاية الأمانى في أخبار القطر اليمانى ١/ ٣٣١ وطبقات فقهاء اليمن لابن سمرة الجعدى ٢٢٦ وانظر الأيوبيون في اليمن ١٣١، ١٣٢.
(١٦) تاريخ ثغر عدن ٢/ ٤٣.
(١٧) السلوك ١/ ٤٠١.
(١٨) السابق ٢/ ٤٢٧.
(١٩) ترجمته في طبقات ابن سمرة ٢٣١.
(٢٠) السلوك ١/ ٤٣٩.
(٢١) تاريخ ثغر عدن ١/ ٢٠٠.
المقدمة / 2
حاله غير ذلك؛ إلا أنه كان موجودًا في سنة (٥٨٦ هـ) وتوفى لثلاث بقين من شهر ذى الحجة (سنة ٦٠٩ هـ).
وقال الجندي: كان ابن بطال في مبتدأ أمره كثير التردد بين بلده، وعدن، وجبأ فأخذ عن محمد بن أبي القاسم الجبائى شارح المقامات.
ومنهم: الإمام أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي سالم القريظي (٢٢).
وهو شيخ عمر بن على بن سمرة الجعدي صاحب الطبقات، قال عنه: لديه معرفة تامة في اللغة والعربية، وفي الحديث حافظ مجود، لبث في مجلس الحكم والقضاء بعدن أربعين سنة، أيام الداعى المعظم محمد بن سبأ توفى سنة ٥٨٤ هـ ونعته أبو مخرمة بأنه كان فقيها محدثًا لغويًا متفننًا جامعًا لأسباب الفضائل.
وذكر الجندى وابن أبي مخرمة (٢٣) أن ابن بطال أخذ عنه بعدن في بدء نشأته.
ومنهم: الإمام أبو عبد الله محمد بن على بن إسماعيل بن أبي الصيف اليمنى (٢٤).
من أهل زبيد، جاور بمكة، صاحب كتاب "الميمون" جمع فيه الأحاديث الواردة في فضائل اليمن وأهله وجمع أربعين حديثًا عن أربعين شيخًا من أربعين بلدة، وأكثر أسانيد علماء اليمن تنتهى إليه توفى بمكة (سنة ٦٠٩ هـ) وذكر الجندي أن ابن بطال أخذ عن ابن أبي الصيف، ولزم صحبته، قال: "ورأيت إجازته له وأن تاريخ ذلك سنة إحدى وسمائة" (٢٥). وذكر ذلك أيضًا أبو مخرمة (٢٦).
ومنهم: الإمام رضي الدين الحسن بن محمد الصغاني (٢٧).
وهو اللغوى المشهور صاحب العباب، والتكملة والذيل والصلة، ومجمع البحرين، وغيرها، يعدله ثلاثة وعشرون مؤلفا في اللغة، ونحو أربعة عشر في الحديث، ونحو أربعة في الوفيات، وكتابان في الفقه، وسبعة متفرقة. قال عنه الجندى: "كان إمامًا متضلعا لعلوم شتى، منها النحو، والفقه، والحديث، والفقه بمذهب أبي حنيفة غالبا" (٢٨).
يذكر المؤرخون له أنه قدم اليمن أكثر من مرة، فبعدما حج سنة (٦٠٥ هـ) اتجه إلى عدن سنة (٦٠٦ هـ) ثم غادرها، وعاد إليها سنة (٦١٠ هـ) وهناك سمع من القاضى إبراهيم بن أحمد بن عبد الله بن سالم القريظى، وأخذ عنه جمع من علماء اليمن، وذاع صيته، والتقى بسليمان بن بطال الركبى، وأقام وفي هذا يقول الجندى (٢٩): "قدم اليمن مرارًا، وأقام في عدن، وصحبه ولد الفقيه بطال، سليمان وأقام معه مدة، ثم طلعا إلى بلدهم، فأقام معهم بذى ثور، وأخذ عنه الإمام بطال وغيره" وفي ترجمة بطال (٣٠) ذكر أن الصغانى قدم عليه موضعه، فأخذ كل واحد منهما عن صاحبه مالاق له أخذه عنه. وكذلك ذكر ابن أبي مخرمة (٣١) تبعا للجندي.
(٢٢) ترجمته في تاريخ ثغر عدن ١/ ٣ وطبقات ابن سمرة ٢٢٥.
(٢٣) السلوك ٢/ ٤٢٩ وتاريخ ثغر عدن ١/ ٣.
(٢٤) ترجمته في السلوك ١/ ١٨١ وطبقات الخواص أهل الصدق والإخلاص ١٤١.
(٢٥) السلوك ٢/ ٤٢٩.
(٢٦) تاريخ ثغر عدن.
(٢٧) ترجمته في معجم الأدباء ٣/ ٢١٧ والبلغة في تاريخ أئمة اللغة ٦٣ وبغية الوعاة ١/ ٥١٩ وتاريخ ثغر عدن ٢/ ٥٣ ودول الإسلام ٢/ ١٥٦، ١٥٧ والجواهر المضية ١/ ٢٠١ وشذرات الذهب ٥/ ٢٥٠ والسلوك للجندى ٢/ ٤٣١.
(٢٨) السلوك ٢/ ٢٣١.
(٢٩) السلوك ٢/ ٤٣١.
(٣٠) السابق.
(٣١) تاريخ ثغر عدن ٢/ ٥٤، ٢٠٠، ٢٠١.
المقدمة / 3
كما ذكر الجندى أن ابن بطال انتسخ كتاب التكملة والذيل والصلة، وانتسخه غيره من فضلاء أهل عدن وغيرهم.
وهؤلاء ما تيسر لي الوقوف عليه من شيوخ ابن بطال، وهم أكثر من ذلك بكثير، يدل عليه ما ذكره كل من الجندى وأبو مخرمة (٣٢) من أنه ارتحل إلى مكة فلبث بها أربع عشرة سنة، فازداد علما ومعرفة، ولم يكن يترك أحدًا من الواردين، أو المقيمين لديه فضل يتحقق إلا أخذ عنه.
تلامذته:
أخذ عنه جمع من أعلام اليمن، ويذكر أنه لما عاد من مكة إلى اليمن ابتنى مدرسة في بلده، وقصده الناس من أنحاء اليمن للأخذ عنه، ومنهم:
الإمام الحافظ: أبو الخير بن منصور بن أبي الخير الشَّمَّاخِي (٣٣).
كان إمامًا في الفقه، والنحو، واللغة، والحديث، والتفسير، والفرائض، أخذ العلم في زبيد، ثم سافر إلى مكة، فأخذ عن أصحاب الحافظ السلفي، ويذكر الخزرجي والجندي وأبو مخرمة أنه أخذ عن الإمام بطال بن أحمد الركبي. وقالوا: "لم يكن له في آخر عمره نظير في جودة العلم، وضبط الكتب، وجمعت خزانته مائة أم سوى الختصرات توفى سنة (٦٨٠ هـ) بعد أن بلغ عمره نحوًا من تسعين سنة".
الإمام: أبو الحسن على بن محمد بن عثمان بن أبي الفوارسي القيني (٣٤).
قال عنه الخزرجي: نسبة إلى قين من عك. تفقه في الجبل على الإمام بطال بن أحمد الركبي توفى سنة (٦٨٨ هـ).
الإمام: أبو الخطاب عمر بن مسعود بن محمد بن سالم بن سالم الحميري الأبْيَنِي، ذكره الخزرجي (٣٥)، وقال عنه: كان فقيها صالحًا، متورعًا، متعففًا، ملازمًا للسنة، تفقه بمحمد بن إسماعيل الحضرمى، وعلى بن قاسم الحكمي، وبطال بن أحمد الركبي. كان مدرسًا بذي هريم بالمدرسة النظامية توفى سنة (٦٥٨ هـ).
الإمام عبد الله بن محمد بن قاسم بن محمد بن أحمد بن حسان الخزرجي. قال صاحب العقود: أخذ عن الشيخ بطال ابن أحمد بن على السُّرْدُدِي، ودرس في هريم، في المدرسة التى أنشأها الطواشي نظام الدين مختص. وعنه أخذ الإمام أحمد بن محمد الوزيري [النظم] المستعذب. وهو أحد شيوخ الشيخ أحمد بن على السُّرْدُرِي توفى سنة (٦٥٥ هـ) (٣٦).
الإمام محمد بن سالم بن محمد بن سالم بن عبد الله بن خلف العامري.
الإمام عبد الله بن سالم بن محمد بن سالم بن عبد الله بن خلف العامري.
وهما أخوان، والدهما الشيخ سالم بن محمد، كان من كرام الفقهاء، غلب عليه علم الحديث، تفقه به ولداه محمد، وعبد الله، وقصده جمع كبير من أنحاء اليمن للأخذ عنه، وصحبته، ولما توفى سنة (٦٣٠ هـ) ارتحل ولداه إلى الإمام بطال، فأخذا عنه. ذكره الجندي (٣٧)، وأبو مخرمة (٣٨).
(٣٢) السلوك ٢/ ٤٢٩، وتاريخ ثغر عدن ٢/ ٢٠٠.
(٣٣) ترجمة في السلوك ١/ ٤٥٧ وتاريخ ثغر عدن ٢/ ٧١ والعقود اللؤلؤية ١/ ٢١٧.
(٣٤) ترجمته في العقود اللؤلؤية ١/ ٢٥٣.
(٣٥) العقود اللؤلؤية ١/ ١٣٢.
(٣٦) العقود اللؤلؤية ١/ ١٢٣ وانظر تاريخ ثغر عدن ٢/ ٢٤٤.
(٣٧) السلوك ٢/ ٣٥٢، وانظر طبقات الفقهاء لابن سمرة الجعدي ٢٠١.
(٣٨) تاريخ ثغر عدن ٢/ ٨٦، وانظر طبقات ابن سمرة ٢٠١.
المقدمة / 4
الإمام رضي الدين الصغاني:
وقد سبق أنه لقى الإمام ابن بطال، ونزل في بيته، وأخذ كل منهما عن صاحبه.
الإمام جمهور بن على بن جمهور، صاحب المذاكرة العربية في النحو، ذكره الجندي، وأبو مخرمة (٣٩) وذكر الجندي (٤٠) غير هؤلاء، منفردًا، منهم:
الإمام عمر بن مفلح بن مهتون.
الإمام عبد الله بن على بن أبي عبد الله المرادي.
الإمام يحيى بن إبراهيم بن محمد بن موسى الإبى.
الإمام محمد بن إبراهيم بن محمد بن موسى الإبى.
وذكر من أصحاب الإمام بطال:-
الإمام أبو الحسن على بن محمد بن على بن إبراهيم العامري الْوَعِلَاني. قال الجندي (٤١): "تفقه بالإمام بطال وكان كبير القدر شهير الذكر" وكان يروى عنه النظم المستعذب.
الإمام: عمر بن محمد ابن الشيخ أحمد بن محمد. قال الجندى (٤٢): "كان فقيهًا فاضلًا، تفقه بالوعلاني، وغيره، وربما أدرك الإمام بطالا أيضًا وأخذ عنه، إذ كان جده يصحب الاثنين، أعنى بطالا، والوعلاني، ويقتدى بهما "وكان مع الفقه ذا فراسة وشجاعة".
الإمام أحمد بن محمد بن مفضل بن عبد الكريم بن أسعد بن سبأ الداري: جد السابق (٤٣).
أبناء ابن بطال ممن أخذوا عنه:
الإمام أبو الربيع سليمان بن محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان بن بطال الركبى (٤٤).
ابن المصنف، وصاحب الإمام اللغوى المشهور رضي الدين الصغاني. ذكر الجندي، وأبو مخرمة (٤٥) أنه كان دينا، أريبا، عارفًا، غلب عليه علم الحديث، والأدب، وأن غالب أخذه كان عن أبيه، وعن الصغاني. وقد سبق أنه لقى الصغاني في عدن، واصطحبه إلى بلده، وتوطدت عرى الصداقة بين الصغاني وبين أسرة سليمان، وبخاصة والده المصنف، الذي أخذ عنه الصغاني وأخذ هو أيضًا عنه، كما سبق. وأخذ أيضًا أبناء المصنف عن الصغانى.
وكان سليمان أجمل شباب أهل عصره، وكان الصغاني معجبًا به، لما قدم إليه من سابق فضل ولما لمسه فيه من نجابة وشهامة. ويروى الجندى وأبو مخرمة أن الصغاني حين عاد إلى اليمن سنة ٦٣٧ هـ ونزل في مسجد بن البصرى، كتب إلى سليمان "صلنى معجلا، ولا يصحبك غير زاد الطريق، فعندى عشرة أحمال من الوَرَق
(٣٩) السلوك ٢/ ٤٢٧ وتاريخ ثغر عدن ٢/ ٢٠٠.
(٤٠) في السلوك ٢/ ٤٢٨.
(٤١) السابق ٢/ ٤٣٨.
(٤٢) نفسه.
(٤٣) ترجمته في السلوك ٢/ ٤٣٩، ٤٤٠.
(٤٤) ترجمة في السلوك ٢/ ٤٣٥ وتاريخ ثغر عدن ٢/ ٩٦، ٩٧.
(٤٥) المرجعان السابقان.
المقدمة / 5
والوَرِق" فلما وقف سليمان على الكتاب: بادر بالسفر إليه. فلما وصل إلى منزل الصغاني في مسجد ابن البصري، تلاحقت الوفود عليهما، رجالًا نهارًا، ونساءً ليلًا، بحجة زيارة الإمام الصغاني، وليس لهم من هدف سوى مشاهدة سليمان، وما حباه الله به من حسن خلقة وجمال طلعة، فلما كثر ذلك، واشتهر الأمر، خشى الوالى من الفتنة، فقرر حبسه؛ ليخفيه عن أنظار الناس. فلما عزم الصغاني على الرحيل، أخرجه الوالى، ورحلا معا.
وذكر الجندي، وأبو مخرمة (٤٦) أنه توفى بعد والده بقليل.
الإمام عمران بن محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان بن بطال الركبى.
ابن المصنف، أخذ علم النحو والتصريف عن والده، وكان عالمًا فاضلًا، ذكره الجندي (٤٧).
الإمام إسماعيل بن محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان بن بطال الركبى.
ابن المصنف، أخذ عن والده، وبرع في معرفة القراءات السبع، قال عنه الجندي: وهو آخر من عرفته من أولاد الشيخ بطال يستحق الذكر (٤٨).
أحفاد ابن بطال ممن رَوَوْا عنه:
محمد بن سليمان بن محمد بن أحمد:
ذكره الجندى، وقال: تفقه بعض فقه، ثم درس بمدرسة جده، فوصله بعض دعاة الإسماعيلية، واستدرجه حتى دخل بمذهبه؛ لضعف علمه ودينه، واستمر ذلك وانتشر في ناحية البلد، وفي قومه إلى عصرنا. ومن ذلك الوقت انقطع ذكر الفقه عن ذرية الإمام بطال، ونسبهم الناس إلى السمعلة (٤٩).
النفيس بن عبد الله بن محمد بن سليمان بن بطال:
ابن ابنة الإمام بطال تجمع معه من طريق الآباء، في محمد بن سليمان، فإن عبد الله بن والد النفيس وأحمد ولد الفقيه أخوان. ذكره الجندى (٥٠) وقال عنه: تفقه بجده الإمام بطال، ثم لما توفى جده ارتحل إلى تهامة، وأخذ عن محمد بن إسماعيل الحضرمي، ثم انتقل إلى تعز، في جوار السلطان المظفر. بسبب خلاف نشب بينه وبين عمه، وأولاد شيخه الإمام بطال، فأخذ عنه فقهاء تعز مصنفات جده وشيخه، كالمستعذب وغيره، وكانت وفاته لبضع وسبعين وستمائة، بعد أن تفقه به جماعة.
وللإمام بطال أبناء غير هؤلاء الذين أخذوا عنه، ذكر منهم الجندى وغيره:-
محمد بن بطال بن أحمد بن سليمان:
وكان مولعًا بالرياسة، مهما بالسياسة، متقربًا إلى الرؤساء، ويروى الجندى والخزرجى (٥١): أنه أخذ ولاية المقاليس من الملوك، وأنه أول من فعل ذلك من بني بطال، وأقام مدة، ثم قتله بنو عمه وله إذ ذاك ولد اسمه، محمد، مرهون بالدملوة مع خادم اسمه ياقوت، فأقامه مقام أبيه وساعده، فقوى أمره، واستمر على
(٤٦) المرجعان السابقان.
(٤٧) السلوك ٢/ ٤٣٦.
(٤٨) السابق.
(٤٩) نفسه.
(٥٠) ٢/ ٤٣٧.
(٥١) السلوك ٢/ ٤٣٦ والقعود اللؤلؤية ١/ ٣٩١.
المقدمة / 6