هم ساعدوهُ كما قالوا إلهمُ ... وارسلوهُ يريد الغيث دسفانا
ومعلوم في معتقد المسلمين أنّ السيد المسيح "عيسى" هو الذي ينزل في آخر العالم ليدين العالمين. فكفى بهذه الشواهد دليلًا على أنّ كل الألفاظ الواردة في القرآن والحديث عن الدينونة وأحوالها قد سبق إليها أهل الكتاب في الجاهليّة كما سبقوا إلى أسماء الله الحسنى.
٣ الدين ومقاماته ومناسكه
كان لعرب الجاهليّة شركهم كما سبق إلا أنّ الآثار العربيّة الباقية من العهد السابق للإ سلام قلّما تشعر بالتوّثن لنفوذ التوحيد بينهم بفضل الدين المسيحي. وها نحن ذا ندوّن الألفاظ النصرانيّة الواردة في شعرهم المثبتة لقولنا.
"الدين" إنّ لفظة الدين بعناها الخاص أي العبادة لله قد سبقت الإسلام وأوّل ما نجد لفظها في الشعر العربيّ مدلولها الدين النصرانيّ. قال النابغة يمدح ملوك إسّان النصارى بدينهم:
مجلّتهم ذاتُ الإله ودينهم ... قويمٌ فما يرجون غير العواقبِ
وروى اللسان محلّتهم أي الأرض المقدّسة. ومثله ما أنشده نبيّ الإسلام عن شاعر جاهليّ "لّما أفاض من عرفة إلى مزدلفة وكان في بطن محسّر الذي كان موقف النصارى" وفي الأبيات إشارة إلى الناقة التي كان راكبها في مسيره إلى الحرم:
إليك تعدو قلقًا وضينها معترضًا في بطنها جنينها
مخالفًا دين النصارى دينها
وكذلك روينا لورقة بن نوفل النصرانيّ قوله:
أدين لربٍّ يستجيب ولا أرى ... أدين لمن لا يسمع الدهرَ واعيا
أقول إذا صلّيتُ في كلّ بيعةٍ ... تباركت قد أكثرت باسمك داعيا
ولأميّة في معناه قوله:
رضيتُ بك اللهم ربًّا فلن أرى ... أدين إلهًا غيرك الله ثانيا
ومن حكم عديّ بن زيد قوله:
نرقّع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما نرقعُ
والدين أيضًا بمعنى الحكم والقضاء والحساب. قال السيّد المسيح:"لا تدينوا لئّلا تدانوا فإنكم بالدينونة التي بها تدينون تدانون".
فجاءت اللفظة في الشعر الجاهليّ مقتبسة عن الآية السابقة. قال خويلد بن نوفل الكلابيّ يخاطب الحارث بن أبي شمّر:
يا حارِ أيقنْ أنّ ملكك زائلٌ ... وأعلم بأنّ كما تدينُ تدانُ
وإلى هذا المعنى يعود اسمه تعالى بالديّان ورد في الشعر الجاهليّ. وبه دعي آل عبد المدان بن الديّان سادة بني الحارث بن كعب النصارى"الذين كانوا يتبارَون في البِيَع وزيّها".
"العبد ... المتعبّد ... العِبَاد ... العبادة" هي أيضًا مفردات سبقت الإسلام ودلُّوا بها على من يعبد الله من النصارى. قال النابغة:
لو أنَّها عرضت لأَشمطَ راهبٍ ... عبدَ الإله صرورةٍ متعبّدِ
وقال أميّة بن أبي الصلت في الملائكة:
فنعم العبادُ المصطفَوْن لأمره ... ومن دونهم جندٌ كثيفٌ مجنَّدُ
ملائكة لا يفترون عبادةً ... كروبيَّةٌ منهم ركوعٌ وسجَّدُ
والعباد قبائل شتّى من بطون العرب اجتمعوا على دين النصرانيّة فدُعوا بالعباد لزهدهم. ويقال لنسَّاك النصارى الأعابد أيضًا قال أبو داود الإيادي يصف مصابيح الرهبان في مشارف الجبال:
لهنَّ كنار الرأس بالع ... لياء تذكيها الأعابد
وكثيرًا ما يطلقون اسم العباد على كل البشر ولا سيَّما الذين يعبدون الإله الحقّ. قال أميّة:
لك الحمدُ والمنُّ ربَّ العبا ... دِ أنت المليك وأنت الحكَمْ
وقال أيضًا:
ولو قيل ربٌّ سوى ربّنا ... لقال العبادُ جميعًا كَذِبْ
ومثله العبادة مطلقًا خصُّوها بعزَّته تعالى. قال زيد بن عمرو:
ولكن اعبد الرحمان ربّي ... ليغفر ذنبيَ الربُّ الغفورُ
وقال ورقة بن نوفل:
لا تعبدُنَّ الهًا غير خالقكم ... فإن دعوكم فقولوا بيننا حَدَدُ
1 / 77