نهج البلاغة
ولما وجب للقابلين أجور المبتلين، ولا استحق المؤمنون ثواب المحسنين، ولا لزمت الاسماء معانيها، ولكن الله سبحانه جعل رسله أولي قوة في عزائمهم، وضعفة فيما ترى الاعين من حالاتهم، مع قناعة تملا القلوب والعيون غنى، وخصاصة(1) تملا الابصار والاسماع أذى.
ولو كانت الانبياء أهل قوة لا ترام، وعزة لا تضام، وملك تمد نحوه أعناق الرجال، وتشد إليه عقد الرحال، لكان ذلك أهون على الخلق في الاعتبار، وأبعد لهم من الاستكبار، ولامنوا عن رهبة قاهرة لهم، أو رغبة مائلة بهم، فكانت النيات مشتركة، والحسنات مقتسمة.
ولكن الله سبحانه أراد أن يكون الاتباع لرسله، والتصديق بكتبه، والخشوع لوجهه، والاستكانة لامره، والاستسلام لطاعته، أمورا له خاصة، لا تشوبها من غيرها شائبة، وكلما كانت البلوى والاختبار أعظم كانت المثوبة والجزاء أجزل.
[الكعبة المقدسة]
ألا ترون أن الله سبحانه، اختبر الاولين من لدن آدم صلى الله عليه، إلى الاخرين من هذا العالم، بأحجار لا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع، فعجلها بيته الحرام الذي جعله للناس قياما.
صفحة ٤٥٩