443
[عبد الرحمن شنجول]
قال ابن خلدون (١): ثمّ قام بالأمر بعده أخوه عبد الرحمن، وتلقب بالناصر لدين الله، وقيل: بالمأمون، وجرى على سنن أبيه وأخيه في الحجر على الخليفة هشام، والاستبداد عيه والاستقلال بالملك دونه، ثمّ ثاب له رأي في الاستئثار بما بقي من رسوم الخلافة، فطلب من هشام المؤيد أن يوليه عهده، فأجابه، وأحضر لذلك املأ من أرباب الشورى وأهل الحل والعقد، فكان يومًا مشهودًا، فكتب عهده من إنشاء أبي حفص بن برد بما نصّه (٢): هذا ما عهد به هشامٌ المؤيد بالله أمير المؤمنين إلى الناس عامّة، وعاهد الله عليه من نفسه خاصّة، وأعطى به صفقة يمينه بيعةً تامّةً، بعد أن أمعن النظر وأطال الاستخارة، وأهمّه ما جعل الله إليه من الإمامة، وعصب به من أمر المؤمنين، واتقى حلول القدر بما لا يؤمن، وخاف نزول القضاء بما لا يصرف، وخشي إن هجم محتوم ذلك عليه ونزل مقدوره به ولم يرفع لهذه الأمّة علمًا تأوي إليه، وملجأ تنعطف عليه، أن يكون يلقى ربّه ﵎ مفرّطًا ساهيًا عن أداء الحق إليها، وتقصّى عند ذلك من إحياء قريش وغيرها من يستحق أن يسند هذا الأمر إليه، ويعوّل في القيام به عليه، ممّن يستوجبه بدينه وأمانته، وهديه وصيانته، بعد اطّراح الهوى، والحرّي للحق، والتزلف (٣) إلى الله ﷻ بما يرضيه، وبعد أن قطع الأواصر، وأسخط الأقارب، فلم يجد أحدًا أجدر أن يوليه عهده، ويفوّض إليه الخلافة بعده، لفضل نفسه وكرم خيمه

(١) تاريخ ابن خلدون ٤: ١٤٨؛ وسقطت عبارة " قال ابن خلدون " من ط ج؛ وفي ج: ولما هلك المظفر قام ... الخ.
(٢) انظر هذا العهد أيضًا في أعمال الأعلام: ٩١ والبيان المغرب ٣: ٤٤، وابن برد كاتب العهد هو أحمد بن برد أبو حفص الوزير المعروف ابن برد الأكبر تمييزًا له عن حفيده ابن برد الأصغر، وكان الجد رئيسًا مقدمًا في الدولة العامرية توفي سنة ٤١٨ (جذوة المقتبس: ١١١) .
(٣) ك: والزلفى.

1 / 424