نفحات
وأطلق دمعي بعد تقييده الكرا
فما ذاق طرفي الغمض منذ ليالي
خلا أنني إذ كنت للبيت قاصدا
وشوقي إليه دائما متوالي
يخفف ما بي من غرام ولوعة
وكنت لما ألقاه غير مبالي
فما زلت أطوي من قفر وعامر
وسهل ووعر نحوه ورمال
إلى أن نزلنا سوحه في سلامة
فألقيت فيه عند ذاك رحالي(1)
فحفت بنا النعماء من كل جانب
وما أنا فيما قلته بمغالي
وطاب لنا فيها المقام وكلما
نرجيه في حال لنا ومآل
ولكنه في شدة الحر لم تكن
تطاوعني فيما أروم فعالي
ففارقته كرها وقلبي خافق
ودمعي على خدي عقود لألي
إلى بلدة بل روضة جادها الحيا
بها العذب من ماء وبرد ظلال
وكل الذي تهوى النفوس فوصفها
تباعد عن لفظي وضرب مثالي
فقرت بها عيني ونلت بها المنى
وماخطرت فيها الهموم ببالي
وساعدني دهري وكان معاندا
يطاول فيما أبتغيه مطالي
صفى لي فيها العيش وهو مكدر
فيا حبذا ما لذلي وصفا لي
كان سرور القلب صار مغرما
يبالغ في قربي وطول وصالي
سلوت بها أهلي وصحبي وجيرتي
وما كنت عنهم قبل ذاك بسالي
فلو لا ضياء الدين ما كنت ذاكرا
مدى الدهر أوطاني وسفح أزال
إمام الهدى والعلم والزهد والتقى
وأفضل سجاد وأشرف تالي
له من صفات المجد مالا أعده
فقل جملة قد حاز كل كمال ... [257ج]
جفت مقلتي طيب الكرا لفراقه
فلم أنتفع منه بطيف خيال
ومهما شرا البرق اليماني شاقني
وناديته يا برق قف لسؤال (2)
عسى خبر تمليه عن أحبتي
فأصغي له سمعي بغير ملال
وهل لك في أكناف صنعاء وقفة
فصف لي بالله طيبة حالي
وأرجو قريبا يدل البين باللقاء
وقبح النوى عنهم بحسن وصال
وأجاب والده الضياء بقوله:
تألق برق الطائف المتلالي ... أثار غرامي ثم بلبل بالي
تألق وهنا بالشام فكم له ... تارق من طرف بسفح أزال
وروت لنا ريح الصبا صبوة الصبا ... وقد عن أمر الصبابة خالي
تنشقت عنها عنبرا وقرنفلا ... ومسكا ذكي النشر أطيب غالي
صفحة ٢٣٩